ولقد قرأت جملة صالحة من نوادر العرب في آدابهم ومكارمهم وأخلاقهم ولطف وجدانهم, فلم أر بينها نادرة أعلق بالقلوب ولا أجمل أثرا في النفوس من قول أبي عيينة الكاتب المعروف في عهد الدولة العباسية, وكان كفيف البصر "اختلفت إلى القاضي أحمد بن أبي دؤاد أربعين سنة, فما سمعته مرة يقول لغلامه عند تشييعي: خذ بيده يا غلام، بل يقول: اخرج معه يا غلام".
فإن كنت تريد أن يسجل لك من الوفاء في صفحات القلوب
ما سجل لأحمد بن أبي دؤاد في صفحات التاريخ فلا تطلق زوجتك, ولا تنقم منها أمرا قد خرج حكمه من يدها، وإن أبيت إلا أن تأخذ لنفسك حظها من لذة العيش وهنائه فاعلم أنه ما من لذة يلذ بها الإنسان في حياته إلا ويشوبها الكدر أو يعقبها الألم، إلا لذة الإحسان.
خبايا الزوايا
جلس قاضي التحقيق أمس على كرسيه في غرفته ووقف عن يمينه رجل من ذوي الأسنان1 قذر الثوب دميم المنظر تسنح شعراته البيض في أكناف رأسه ولحيته سنوح الشرر الأبيض، في الدخان الأسود، وتتمشى في أديم وجهه صفرة مغبرة من رآها علم أنها نسيج ذلك الدخان دخان الحشيشة الذي ينفثه من فيه في صباحه ومسائه، وغدوه ورواحه، ووقف عن يساره صبية ستة نحل الأبدان جوع الأكباد لم يترك لهم الدهر آكل البؤساء وشاربهم إلا هياكل من عظام تضطرب في رءوسها عيون لا تستقر في محاجرها إلا إذا استقر الزئبق في قرار مكين.
نظر إليهم قاضي التحقيق نظرات تمازجها الرحمة، وتخالطها الشفقة، والقضاة لا يرحمون ولا يشفقون لولا أن من المناظر مناظر تنال من القلوب القاسية، وتستهوي الأفئدة المتحجرة، PageV02P078
وأنشأ يسألهم واحدا بعد واحد ما شأنهم وما خطبهم وما مصيرهم، فكان جوابهم جوابا واحدا خلاصته أن هذا النمر اللابس ملابس الإنسان رأى خلتهم1 من حيث يخفى مكانها فثغر2 فيها ثغرة انحدر منها إلى أعراضهم فعبث بها ما شاء وشاء العابثون، فكانوا في داره الضروع التي يحتلبها حتى إذا استنفد درتها3 ألح على دمائها فاستنزفها، وقالوا: إنه كان يديم مطال الجوع في بطونهم فإذا علم أنهم هلكوا أو كادوا طفق يعللهم باللقمة بعد اللقمة، والمضغة أثر المضغة، ويرمقهم4 العيش ترميقا لا إبقاء عليهم بل على ما كان يغتنمه من بسطة العيش من ورائهم، وزعموا أنه كان يريبه منهم في بعض الأحيان تمردهم عليه واحتفاظهم بأعراضهم من دونه, فيدخل في أدمغتهم لصا من دخان الحشيشة يسرق عقولهم، ويحل عقدة منعتهم، ويتركهم لا يدرون ما يأتون ولا ما يدعون.
وما وصلوا من شكواهم إلى هذا الحد حتى سقط منهم اثنان بين يدي القاضي, فراعه من أمرهم ما راعه ثم علم أنه الجوع, فأمر لهم بخبز وأدم, فازدحموا عليه يتناهبونه ويزدردونه ازدراد الوحش PageV02P079
فريسته، وقد وقف ذلك الذئب المستأنس ينظر إليهم نظرة شزراء, كتلك النظرة التي يرمي بها الصائد صيده إذا أفلت من حبالته.
بذلك حدثني من رأى هذا المنظر بعينه, فارتعت لسماع حديثه الارتياع كله وحسبت أنه يحدثني عن حادثة وقعت في مبدأ الخليقة في مغارة من مغاور الجن أو شعفة1 من شعفات الجبال، وقلت له: أتعلم أيها الرجل أنك تحدثني عن إنسان؟ فقال: لا تعجل فما حدثتك إلا عن رجل حمار لا يفارق وجهه سوءة حماره ليله ونهاره، وربما سرت إليه تلك النتيجة من هذه المقدمة، فكيف بك لو علمت أن هذه الرذيلة لا يترفع عنها في هذا البلد كثير من الأتقياء والصالحين، والأساتذة والمعلمين؟