وأن حقائق الأشياء وأسرار الكائنات قد استأثر الله بعلمها، واحتجنها من دون عباده، ولم يمنحهم منها إلا بلة تزيدهم وجدا كلما وجدوا بردها، وتملأ قلوبهم شوقا كلما تذوقوا طعمها.
ضريبك في بني الدنيا كثير ... وعز الله ربك من ضريب
وما العلماء والجهلاء إلا ... قريب حين تنظر من قريب
الرجل والمرأة
حضرة السيد المحترم
لا تعجب إن رأيت إعجابي بك ظاهرا في كل سطر من سطور كتابي هذا, فإنما أنا انطق بلسان كثير من العقلاء الذين يحبونك حبا جما, ويعتقدون أنك فريد في أدبك، فريد في قلمك، فريد في تسامحك وتساهلك؛ لذلك أردنا أن نوجه إليك السؤال الآتي راجين منك الإجابة عليه.
لماذا نرى الهيئة الاجتماعية تحكم على المرأة الفاسقة حكما صارما فتنبذها وتحتقرها ولا تحكم بمثل هذا الحكم على الرجل الفاسق مع أن جريمتهما واحدة؟
هذا ما أردنا أن نسترشد برأيك فيه والسلام.
سائل
يعتقد كثير من الناس أن الرجل والمرأة سواء في العقل والذكاء، وعندي أنهم أخطئوا في الأولى وأصابوا في الأخرى.
تستطيع المرأة أن تجاري الرجل في سرعة الفهم وحضور
البديهة ولا تستطيع أن تجاريه في الأناة والرفق والاستمساك, وامتلاك هوى النفس والأخذ بفضيلة الصبر على ما تكره وعن ما تحب.
تستطيع المرأة أن تدرك ما يدركه الرجل من الشئون والأطوار وأن تستخرج كما يستخرج المجهولات من المعلومات، ولكنها لا تستطيع أن تنتفع بمعلوماتها كما ينتفع؛ لأن بين جنبيها نفسا غير نفسه، وهوى غير هواه؛ ولأن لها قلبا صغيرا لا يقوى على احتمال ما يحتمله عقله الكبير.
يمشي الرجل وراء عقله فيهديه، وتمشي المرأة وراء قلبها فيضلها، فما وقفت معه في موقف إلا سقطت بين يديه عجزا وضعفا؛ لأنه يعرف السبيل إلى قلبها، ولا تعرف السبيل إلى عقله.
لا تعجب إن قلت لك إن الذكاء غير العقل، فاللصوص والمحتالون والمزورون والكاذبون والفاسقون والمنافقون أذكياء وليس بينهم عاقل واحد؛ لأنهم يوردون أنفسهم موارد التلف والهلاك من حيث لا يغني عنهم ذكاؤهم شيئا، وكثيرا ما يكون الذكاء الشديد داعية الجنون، حتى إنك لا تكاد ترى ذكيا من الأذكياء إلا وترى له في شئونه وأطواره أحوالا شاذة, لا تنطبق على قانون من قوانين العقل ولا قاعدة من قواعد الطبيعة،
وعندي أن أكثر ما يصيب النوابغ والأذكياء من بؤس العيش وسوء الحال عائد إلى ضعف في عقولهم، ونقص في تصوراتهم، وبعد فالذكاء في رأس الإنسان كالسيف في يد الشجاع، وكثيرا ما يضرب الشجاع رأس نفسه بسيفه إذا كان طائشا أهوج لا يملك نفسه في موقف من مواقف الحزن أو الغضب.
فماذا يغني المرأة ذكاؤها إذا لم يكن وراءه عقل يملكها ويصرفها ويمسك بيدها أن تعثر في جريانها واشتدادها بعقبة من عقبات هذه الحياة.
سيثقل هذا الحكم على نفوس النساء ونفوس الرجال الذين يجاملونهن، ولكن ماذا أعمل وبين يدي برهان قاطع ليس في استطاعتهن أن ينازعنني فيه مع شدة ذكائهن، ولا في استطاعة أنصارهن من الرجال أن ينقضوه ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
لولا أن الرجل أعقل من المرأة ما كان له عليها هذا السلطان وذلك الغلب, ولا استطاع أن يقودها وراءه كما يقاد الجنيب1, ولا أن يملك عليها أمر فقرها وغناها وحبسها وإطلاقها وحجابها وسفورها, ويستأثر من دونها بوضع القوانين والشرائع الخاصة بها PageV01P341