نص الكتاب المحقق
صب العذاب
على من سب الأصحاب
بسم الله الرحمن الرحيم
يا من لا مانع لما أعطيت، ولا راد لما قضيت، نحمدك على ما نورت قلوبنا بنور الهداية، وعصمتنا من الضلالة والغواية، ونصلي ونسلم على حبيبك الذي هديت به الأنام، وكشفت ببعثته غياهب الجهالات وشبهات الأوهام وعلى آله الأخيار، وأصحابه الذين أغاظ الله بهم الكفار.
أما بعد: فيقول الفقير إلى الله تعالى الهادي، محمود شكري الألوسي البغدادي، صانه الله من شر الحساد وكيد الأعادي:
لما انتشر بين الناس البدع والضلالات، وسرى الجهل إلى سائر الجهات، أشاع الروافض رفضهم بين الناس، وأظهروا ما انطووا عليه من الخبث والدس والإلباس، فشمر عند ذلك علماء أهل السنة ساعد الجد
والاجتهاد، لتطهير ما لوث به أهل الأهواء وجه الأرض من الفساد، فردوا عليهم في كتبهم أتم رد، وصدوهم عما ذهبوا إليه أكمل صد، بدلائل جلية، وبراهين قطعية.
ألا وإن من هاتيك الكتب المعتبرة، والرسائل المبتكرة كتاب (الأجوبة العراقية عن الأسئلة اللاهورية) الذي هو مع صغر حجمه وقلة رقمه قد انطوى على الحق اليقين، والنور المبين؛ مما يذب عن أصحاب رسول الله -عليه وعليهم أفضل الصلاة وأكمل السلام- جميع ما افتراه فرق الروافض الطغام، من الشبه والأوهام.
وقد انتشر في سائر الديار، وشاع ذكره في غالب الأقاليم والأمصار، وحيث كان مشتملا على هفوات الروافض وعيوبهم، وقع موقع الأسنة من قلوبهم، فذهبوا كل مذهب لخمول ذكره، فما قرت بذلك منهم العيون وسلكوا كل مسلك لإطفاء نوره، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.
فجاءوا وراحوا، وصاحوا وناحوا؛ كل ذلك لعجزهم عن
القيام في ساحة الخصام، وتورطهم في ورطة الإلزام والإفحام؛ لما غشي قلوبهم من الران، وامتلأت صدورهم من وساوس الشيطان.
ثم إنهم لما خاب منهم الأمل، وتحقق لديهم وخيم عاقبة ما قدموا من سوء العمل، خلصوا نجيا، فأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، وتقطعوا أمرهم بينهم ليعدوا بهتانا وزورا، فيتخذوا ذلك الكتاب مهجورا، فبقوا مدة مديدة، وأشهرا عديدة، يقلبون صحائفه ويتأملون دقائقه ولطائفه، فلم ينطقوا ببنت شفة، ولا أعربوا عن موصوف ولا صفة.
ولم تر إلا واضعا كف حائر ... على دقنه أو قارعا سن نادم
ثم إنهم نظموا في هذه الأيام أرجوزة مختلة اللفظ والمعنى فاسدة التركب والمبنى، وزعموا أنهم ردوا بها الكتاب، وأين القمر من نبح الكلاب؟ !.
ولكن أبى الله إلا أن يفضح من تنقص بالصحابة الأخيار، وسادة هذه الأمة الأبرار، وأن يرى الناس عورته، ويغريه أن يكشف سوءته.
نعوذ بالله من الذل والخذلال، ونستجير به سبحانه من الفضيحة والخسران، ثم إنهم نسبوها إلى من ليس له في العلم إلمام واتخذوه بزعمهم غرضا ليأمنوا به من رشق السهام؛ وما دروا أن دسائسهم التي تجاوزت الحد، لا تكاد تخفى على أحد.
ومن مزيد جهلهم أن كلا منهم من مزيد فرحه بها تراه كأنه قد أعطي قرطي مارية.
أو أنه عاشق واصلته بعد طول الهجر غانية.
ولو أنهم عرفوا مسألة من العلوم، أو شموا رائحة من منطوق أو مفهوم لعملوا بها عمل الهر فدسوها في التراب، أو أحرقوها في النار ولم يفضحوا أنفسهم بين أهل العلم وذوي الآداب، حيث أنها أظهرت ما كتموه من نفاقهم، وصرحت بما جحدوه من زيغهم وشقاقهم.