(الأمور التي يجب التنبيه عليها، والإشارة بيسير العبارة إليها)
الأمر الأول: إن الكتب المصنفة في حقائق الدين وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لا تحصى كثرة في كل عصر من الأعصار، ولاسيما في هذه الأزمان الأخيرة، فقد انتشرت الكتب الإسلامية -بواسطة صناعة الطبع -انتشارا لم يعهد مثله في الأعصر الخالية، ومع ذلك لم تؤثر في القلوب القاسية شيئا.
فإن أمثال النبهاني1 المعرضين عن الحق المتبعين لأهوائهم، كثيرون في الأقطار والبلاد، ودلائل الحق واضحة جلية، ولم يلتفتوا إليها، ولا عرجوا عليها، وهذا وإن اغتر به العوام، والجهلة الطغام، فهو لا يضر الحق ولا يمس شرف PageV01P028
أهله، فإن الأسباب المانعة من قبول الحق كثيرة جدا، كما ذكر ذلك الحافظ ابن القيم في الهداية1.
فمنها: الجهل به، وهذا السبب هو الغالب على أكثر النفوس، فإن من جهل شيئا عاداه وعادى أهله، فإن انضاف إلى هذا السبب بغض من أمره بالحق ومعاداته له وحسده كان المانع من قبول الحق أقوى، فإن انضاف إلى ذلك إلفه وعادته ومرباه على ما كان عليه آباؤه ومن يحبه ويعظمه قوي المانع، فإن انضاف إلى ذلك توهمه أن الحق الذي دعي إليه يحول بينه وبين جاهه وعن شهواته وأغراضه قوي المانع من القبول جدا، فإن انضاف إلى ذلك خوفه من أصحابه وعشيرته وقومه على نفسه وماله وجاهه كما وقع لهرقل ملك النصارى بالشام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما نرى كثيرا ممن ينتسب إلى العلم من أهل المناصب والجرايات ينتسبون إلى الطرائق المبتدعة، ويظهرون ما يروج من العقائد لدى حكومتهم ودولتهم، ويتجنبون من العقائد السلفية، وإظهار السنن النبوية مع علمهم بحقية حقائقها، ووقوفهم على دقائقها محافظة على الزخارف الدنيوية، والسفاسف الدنية، وأعرف من هؤلاء عددا كثيرا؛ {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} 2.
فإذا كان الأمر على ما ذكر ازداد المانع من قبول الحق قوة، فإن هرقل عرف الحق وهم بالدخول في الإسلام فلم يطاوعه قومه، وخافهم على نفسه، واختار الكفر على الإسلام بعدما تبين له الهدى، وقصته مشهورة3.
ومن أعظم هذه الأسباب؛ الحسد، فإنه داء كامن في النفس، ويرى الحاسد المحسود قد فضل عليه، وأوتي ما لم يؤت نظيره، فلا يدعه الحسد أن ينقاد له ويكون من أتباعه، وهل منع إبليس من السجود لآدم إلا الحسد؟! فإنه لما رآه قد PageV01P029
فضل عليه ورفع فوقه؛ غص بريقه واختار الكفر على الإيمان بعد أن كان بين الملائكة.
وهذا الداء هو الذي منع اليهود من الإيمان بعيسى ابن مريم، وقد علموا علما لا شك فيه أنه رسول الله جاء بالبينات والهدى، فحملهم الحسد على أن اختاروا الكفر على الإيمان، وأطبقوا عليه، وهم أمة فيهم الأحبار والعلماء والزهاد، والقضاة والملوك والأمراء، هذا وقد جاء المسيح بحكم التوراة ولم يأت بشريعة تخالفها ولم يقاتلهم وإنما أتى بتحليل بعض ما حرم عليهم تخفيفا ورحمة وإحسانا، وجاء مكملا لشريعة التوراة، ومع هذا فاختاروا كلهم الكفر على الإيمان.
فكيف يكون حالهم مع نبي جاء بشريعة مستقلة ناسخة لجميع الشرائع، مبكتا لهم بقبائحهم، ومناديا على فضائحهم، ومخرجا لهم من ديارهم، وقد قاتلوه وحاربوه وهو في ذلك كله ينصر عليهم ويظفر بهم، ويعلو هو وأصحابه، وهم معه دائما في سفاك؟ فكيف لا يملك الحسد والبغي قلوبهم؟ وأين تقع حالهم معه من حالهم مع المسيح، وقد أطبقوا على الكفر به من بعد ما تبين لهم الهدى، وهذا السبب وحده كاف في رد الحق، فكيف إذا انضاف إليه زوال الرياسات والمآكل كما تقدم؟! وقد أطنب ابن القيم الكلام، وأتى بما تعشقه الأسماع والأفهام، وله كلام مفصل يتعلق بهذا الباب ذكره في كتاب (مفتاح دار السعادة) ولعلنا نذكر منه شيئا فيما سيأتي إن شاء الله.