القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 16 الى
18]</span>
ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين (16) وحفظناها من كل شيطان رجيم (17) إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (18)
ولقد جعلنا في السماء بروجا جمع (برج) يطلق على القصر والحصن وعلى المنازل الأثني عشر التي تنتقل فيها الشمس في ظاهر الرؤية.
وقد فسرت البروج في الآية بالنجوم وبالمنازل المذكورة وبالقصور، على التشبيه بحصون الأرض وقصورها. فإن النجوم هياكل فخيمة عظيمة وزيناها أي السماء بتلك البروج المختلفة الأشكال والأضواء المرئية للناظرين أي إلى حركاتها وأضوائها. أو للمتفكرين المعتبرين المستدلين بها على قدرة موجدها ووحدانيته وحفظناها من كل شيطان رجيم، إلا من استرق أي اختلس السمع أي من الملائكة السماوية فأتبعه أي تبعه ولحقه شهاب مبين أي لهب محرق ظاهر، فيرجع أو فيحترق.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : آية 19]
والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون (19)
والأرض مددناها أي بسطناها وألقينا فيها رواسي أي جبالا ثوابت وأنبتنا فيها من كل شيء موزون أي وزن بميزان الحكمة، وقدر بمقدار تقتضيه، لا يصلح فيه زيادة ولا نقصان، أو بمعنى مستحسن متناسب من قولهم: كلام موزون.
وقد ذكر الشريف المرتضى في (الدرر) : أن العرب استعملته بهذا المعنى، كقول عمر ابن أبي ربيعة.
وحديث ألذه هو مما ... تشتهيه النفوس يوزن وزنا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 20 الى
21]</span>
وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين (20) وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21)
وجعلنا لكم فيها معايش أي ما تعيشون به من المطاعم والملابس وغيرهما، مما تقتضيه ضرورة الحياة ومن لستم له برازقين أي من الأنعام والدواب وما أشبهها. قال القاضي: وفذلكة الآية الاستدلال بجعل الأرض ممدودة بمقدار وشكل معينين، مختلفة الأجزاء في الوضع، محدثة فيها أنواع النبات والحيوان المختلفة خلقة وطبيعة، مع جواز أن لا يكون كذلك، على كمال قدرته وتناهي حكمته والتفرد في الألوهية والامتنان على العباد، بما أنعم عليهم في ذلك، ليوحدوه ويعبدوه. ثم بالغ في ذلك وقال: وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم أي وما من شيء إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه.
شبه اقتداره على كل شيء وإيجاده بالخزائن المودعة فيها الأشياء، المعدة لإخراج ما يشاء منها وما يخرجه إلا بقدر معلوم، استعارة تمثيلية. أو شبه مقدوراته بالأشياء المخزونة التي لا يحوج إخراجها إلى كلفة واجتهاد. استعارة مكنية. ومعنى ننزله أي نوجده ونخرجه في عالم الشهادة. والقدر المعلوم الأجل المعين له، حسبما تقتضيه الحكمة، وقوله تعالى: