الجرح والتعديل للشيخ جمال الدين القاسمي
هذا بحث جليل، ومطلب خطير، طالما جال في النفس التفرغ لكتابة شيء فيه يكون لباب اللباب في هذا الباب الذي اختلف فيه الناس، لما غلب التعصب على النفوس ونبذوا مشرب كبار المحدثين رواة السنة، وهداة الأمة، حتى سنحت لي فرصة كتبت فيها ترجمة حافلة للإمام البخاري جعلتها مفصلة بتراجم منوعة كان منها (تخريج البخاري عمن رمي بالابتداع) وهم الذين أسميهم (المبدعين) (1)
ذكرت ثمة ما يناسب تأليف الترجمة، ثم رأيت أن المقام PageV01P003
يستدعي زيادة بسط وإسهاب، ودرأ شبه واحتمالات أوردها بعض الفقهاء خالف فيها الحقيقة، فخشيت أن يطول بإيرادها - في ترجمة البخاري - الكلام، ويشبه الخروج عن الموضوع فأفردت تتمة هذا البحث في مقالة خاصة تحيط به من أطرافه، وترده على أنحائه وهذا البحث من جملة المباحث العلمية التي نسيها الخلف أو أضاعوها، ولا غرو أن يذهل عن الغايات من يقصر في البدايات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
$ 1 - منشأ النبز بالابتداع:
من المعروف في سنن الاجتماع أن كل طائفة قوي شأنها وكثر سوادها، لا بد أن يوجد فيها الأصيل والدخيل، والمعتدل والمتطرف، والغالي والمتسامح، وقد وجد بالاستقراء أن صوت الغالي أقوى صدى وأعظم استجابة؛ لأن التوسط منزلة الاعتدال، ومن يحرص عليه قليل في كل عصر ومصر، وأما الغلو فمشرب الأكثر، ورغيبة السواد الأعظم، وعليه درجت طوائف الفرق والنحل، فحاولت الاستئثار بالذكرى، والتفرد بالدعوى، ولم تجد سبيلا لاستتباع الناس لها إلا الغلو بنفسها، وذلك بالحط من غيرها، والإيقاع بسواها، حسب ما تسنح لها الفرص، وتساعدها الأقدار، إن كان بالسنان، أو اللسان.
وأول من فتح هذا الباب - باب الغلو في إطالة اللسان
بالمخالفين - الخوارج فأتى قادتهم عامتهم من باب التكفير، لتستحكم النفرة من غيرهم، وتقوى رابطة عامتهم بهم، ثم سرى هذا الداء إلى غيرهم، وأصبحت غلاة كل فرقة تكفر غيرها وتفسقه أو تبدعه أو تضلله لذاك المعنى نفسه، حتى قيض الله تعالى من الأئمة من قام في وجه أولئك الغلاة، وزيف رأيهم، وعرف لخيار كل فرقة قدرهم، وأقام لكل منهم ميزان أمثالهم.
$ 2 - من شهر الرواية عن المبدعين، وقاعدة المحققين في ذلك:
كان من أعظم من صدع بالرواية عنهم الإمام البخاري - رضي الله عنه -، وجزاه عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء، فخرج عن كل عالم صدوق ثبت من أي فرقة كان، حتى ولو كان داعية، كعمران بن حطان وداود بن الحصين.
وملأ مسلم " صحيحه " من الرواة الشيعة (1) فكان الشيخان عليهما الرحمة والرضوان بعملهما هذا قدوة الإنصاف وأسوة الحق الذي يجب الجري عليه، لأن مجتهدي كل فرقة من فرق الإسلام مأجورون أصابوا أو أخطأوا بنص الحديث النبوي.
ثم تبع الشيخين على هذا المحققون من بعدهما حتى قال شيخ PageV01P005
الإسلام الحافظ ابن حجر في " شرح النخبة ": التحقيق أن لا يرد كل مكفر ببدعته، لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف (قال): والمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمرا متواترا من الشريعة معلوما من الدين بالضرورة، واعتقد عكسه. وأما من لم يكن كذلك، أو ينضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله. اه.