- ب -
مقدمة المؤلف
بسم الله المبدئ المعيد
الحمد لله الذي ترادفت سوابغ آلائه وتواردت ألسنة الخلق على حمد نعمائه وبعد فإن من اطلع على المأثور من كلام العرب واستقرى ما جاء بعدهم من كلام المترسلين من فحول علماء الأدب وتدبر ما لهم في أساليب اللغة من الاتساع والإبداع والتلاعب بقوالب اللفظ لإبراز صور المعاني حاسرة دون قناع أيقن أن هذه اللغة قد انفردت عن سائر اللغات فصاحة وبيانا كما انفرد أربابها في مذاهب البلاغة تبسطا وافتنانا، وحسب الناظر أن يسرح طرفه في بليغ منقولها ويتأمل ما جاء من البدائع في محكم فصولها من مثل مقالة النعمان لكسرى في النضح عن أحساب العرب، وما ورد عن الإمام علي من نوابغ الأمثال وروائع الخطب وما جاء
-ج -
بعد ذلك من أقوال مصاقع الخطباء في صدر الإسلام من مثل زياد والحجاج وسواهما من أمراء الكلام ثم ما وشته أقلام بلغاء الكتاب من مثل عبد الحميد ومن قفا إثره كابن المقفع والصاحب وابن العميد إلى أناس لا يأخذهم الإحصاء ممن ذهبوا كل مذهب في صناعة التحبير والإنشاء فإنه يجد هنالك ما يروع فؤاده عجبا بل يملك حواسه طربا من
- د -
ألفاظ كأنها قطع التبر إلا أنها الشمع طواعية وليانا، ومعان كأنها أخذ السحر إلا أنها الصبح وضوحا وبيانا، بل يتمثل بين يديه رياضا مدبجة الأزهار وجنانا تجري من تحتها الأنهار قد صاحت بلابل الفصاحة على أفنان خمائلها الضافية الظلال، ولاحت وجوه الملاحة في غدران مناهلها الصافية الزلال وفاغمت نسمات معانيها العذبة ثغور فواغي ألفاظها العبهرية فابتسمت عن بيض ل آلئ رطبة تزري بحبائك الفرائد الدرية بل بحبك الفراقد الدرية.
وإنما الفضل في ذلك كله للغة إذ هي القالب الذي به تلبس المعاني أشكالها واللباس الذي تستوفي به زينتها وجمالها، وقد كانوا هم المالكين لأعناقها المتصرفين في وضعها واشتقاقها يقلبونها على وجوه شتى من الاستعارة والكناية وسائر فنون المجاز بحيث تجد للمعنى الواحد عدة قوالب تتراوح بين الإطناب والإيجاز إلى حد يسم غيرها من اللغات بطابع الإعجاز.
- ه -
بيد أن اللغة لم تبلغ هذا المبلغ من الكمال والاتساع في وجوه الاستعمال إلا بعد أن تعاقب عليها ما شاء الله من الأزمنة تلا فيها البليغ البليغ إلى أن استتبت لها هذه المزية البينة، وتتابع استعمالها على ذلك حتى رسخت ملكتها في الألسنة ثم تلقاها المتأخرون عن المتقدمين بتكرر الرواية وتتابع السماع وحمل القرائح على محاكاتها بما استقر من هيئتها في الطباع فلم تبرح نازلة منهم منزلتها من أربابها، بيد أنها اكتست ناعم الخز بعد خشن جلبابها فكانت بها نجوى الضمائر فضلا عن حديث الأقلام في الدفاتر أو نطق الألسنة على المنابر حتى إذا غربت شمس ذلك العصر وانقلبت حال ذويها بطنا لظهر ألقى الدهر حبلها على غاربها بعد إذ تجاوب صداها بين مشارق الأرض ومغاربها فأقفرت أوديتها وتقوضت أنديتها وخرست شقشقة خطيبها ومنطيقها وجفت أقلام كتابها بعد أن جرضت بريقها، وطويت مهارقها فهي اليوم من مودعات
- و -
الخزائن وقد أصبحت في جملة الدفائن، اللهم إلا ألفاظا ندرت على ألسنة الشعراء يتداولونها في أغراضهم من نحو التشبيب والاستجداء والمدح والرثاء هي جل ما وصل إلينا من رشح ذلك المعين المتدفق، وما أقله ثمدا لا يقصع غلة صاد ولا يعيد بلة منطق وما خلا ذلك فإن الكاتب منا لا يجد إلا هذه الألفاظ المبتذلة والأوضاع العامية وقد يخطئ غرضه منها فيلجأ إلى الكلمات الأعجمية فضلا عن أنه لا يلفي للمعنى الواحد إلا لفظا لا يتعداه ووجها من التعبير لا يجد السبيل إلى سواه.