<div dir="rtl" id="book-container">
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي وفق للتفقه في الدين من أراد به خيرا من عباده، وأسبغ عليهم جلابيب نعمه، وأسعفهم بمزيد إمداده.
أحمده تعالى أن من علينا بنعمة الإسلام، وعلمنا بالقلم ما لم نكن نعلم، وأحكم لنا الأحكام أي إحكام.
وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، ذو الجلال والإكرام. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المبعوث رحمة للأنام، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الكرام، صلاة وسلاما لا يعتريهما نقص ولا انثلام.
أما بعد:
فإن الكتاب الموسوم ب (نيل المآرب شرح دليل الطالب) قد بلغ النهاية في حسن الوقع، وعظم النفع. وقد عكفت على قراءته الطلاب، واندفع على تحصيله الراغبون من ذوي الألباب. غير أنه يحتاج إلى كتابة حاشية عليه، تسفر عن وجوه مخدراته النقاب، وتبرز من خفي مكنوناته ما وراء الحجاب.
وإنني لم أكن أهلا لذلك، ولا لسلوك تلك المسالك. غير أنني لما قرأت النسخة التي كان يقرؤها والدي المرحوم الشيخ عبد الغني اللبدي، نزيل مكة، والمتوفى بها، ورأيت بهامشها تقريرات مفيدة، ومباحث سديدة، خطر ببالي أن أجردها وأرتبها، وأجعلها حاشية على الشرح المذكور، استظهارا للصواب، واسترباحا للثواب. وأرجو من الله الكريم أن يعمم بها النفع، وأن يجعل لها في القلوب أعظم وقع، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم (1).
(1) قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم" إنما ابتدأ بها المصنف رحمه الله، PageV01P003
<div dir="rtl" id="book-container">
[1/ 33] اقتداء بالكتاب العزيز، وعملا بحديث: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر" أي ذاهب البركة. رواه الخطيب بهذا اللفظ في كتابه "الجامع" (1)، والحافظ عبد القادر الرهاوي (2). والباء في البسملة إما للمصاحبة [2أ] أو للاستعانة، متعلقة بمحذوف. وتقديره فعلا أولى، لأن الأصل في العمل للأفعال، وخاصة لأنه أنسب بالمقام، لأن كل شارع في فن يضمر ما كانت البسملة مبدأ له، ومؤخرا لإفادة الاختصاص.
و"الله " علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، الموصوف بكمال الإنعام، وبما دونه. فهو علم على المعبود بحق، إذ لم يستعمل في غيره تعالى. قال تعالى: {هل تعلم له سميا} [مريم: 65] ومن ثم كان "لا إله إلا الله" توحيدا، أي لا معبود بحق إلا الله الواحد الحق. فهو من الأعلام الخاصة، من حيث إنه لم يسم به غيره تعالى، ومن الأعلام الغالبة، من حيث إن أصله "إله"، قاله بعض المحققين.
و"الرحمن لما وصف للفظ الجلالة. وهو خاص لفطا، من حيث إنه لم يسم به غيره تعالى، وهو أيضا من الأعلام الغالبة؛ أي: هو علم بالغلبة، ك"النجم" للثريا، و"الكتاب" لكتاب سيبويه. فهو عام معنى، لأنه صفة لمعنى كثير الرحمة، ثم غلب على البالغ في الرحمة غايتها. ومعناه أيضا أنه المتفضل بجلائل النعم في PageV01P004
<div dir="rtl" id="book-container">
الدنياوالآخرة، فهومن الصفات الغالبة. [1/ 33]
و"الرحيم" عام لفظا، لأنه قد يسمى به تعالى. قال تعالى في حق نبيه - صلى الله عليه وسلم -: {بالمؤمنين رؤوف رحيم} [التوبة: 28]
و"الرحمن الرحيم" صفتان مشبهتان، مشتقتان من "رحم" بنقله إلى "رحم" لازما، لأن الصفة المشبهة لا تشتق إلا من لازم، نحو طهر وحسن، فالصفة المشبهة منهما طاهر وحسن.