عالم الأدباء وقانون عهد الأمان
لو كان العلماء متبرئين من عهد الأمان مغلبين للمصلحة القاصرة على المصلحة العامة أما أنشد العلامة الشريف محمود قابادو قصيدته الشهيرة في عهد الأمان منوها به، ومعرفا بأنه من صميم الدين التي يقول في طالعها:
العدل عهد خلافة الإنسان ... ومداد ظل الأمن والعمران
وتمدن البشر اقتضى إيلافهم ... فتعاضدوا من دائن ومدان
وتطامح الخلطاء لاستبدادهم ... بالقتل داعيهم إلى العدوان
فتقرر السلطان ضربة لازب ... لنظامهم بالعدل والإحسان
افتتح عالم الأدباء الشيخ قابادو قصيدته هذه بهذه الأبيات الأربعة منبها على ما ذكر ابن خلدون في مقدمته من أن الإنسان مدني بالطبع، واشتباك المصالح مؤد إلى اعتداء البعض على البعض فلا بد من سلطة تمنع المعتدين وتكف ضراوة الضارين فهي مقدمة لرأيه في عهد الأمان.
وأشار فيها إلى أن السلطان ليس قوة قاهرة بل هو سلطة رحمة وإحسان.
فما أتى به ابن خلدون في مقدمته في الباب الأول من الكتاب الأول في العمران البشري أتى به أديب العلماء بلا منازع العلامة الشريف محمود قابادو في تلك الأبيات النزرة.
وهذا ما يدل على أن الفقهاء من التونسين كانوا على جانب عظيم من علم الاجتماع متأثرين بسلفهم العلامة المؤرخ عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن خلدون (-808) فكلهم من فبضه يغترف، ومن مناهله يرتشف، فعلماء تونس الفقهاء كانت معرفتهم الاجتماعية تؤهلهم للنظر البعيد وللتفقه في الدين التفقه الصحيح، فما يرميهم به الرامون غنما هو لمرض في النفوس وحسد كامن في القلوب.
وقصيدته هذه أتى بها المعروف في ديوان محمود قابادو الذي اعتنى بجمعه وطبعه سنتي (1294 و1295 ه?) .
وقد ضمنها الكثير من إنشاء المجالس لعهد الأمان ومن أبدعها قوله:
قانون عدل صادق عال سمت ... أساسه رجبا على آسان
1277 ونقل عيونها الشيخ الوزير ابن أبي الضياف في كتابه إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان في الجزء الخامس صفحة 46.
ومن نصيحته الشيخ قابادو لأهل المجلس قوله مخاطبا أعضاء المجالس:
هذي رئاستكم وعزة مجدكم ... نيطت بكم يا معشر الأعيان
وإلى أمانتكم وحسن وفائكم ... وكلت وغيرتكم على الأوطان
ولتعلموا أن الوفي لنفسه ... يوفي ومن ينكث عليها جاني
والله ليس مغيرا إنعامه ... حتى يغيره ذوو الكفران
وتيقنوا أن الذي غلب الهوى ... والنفس يغلب كل ذي سلطان
هذا وإن الصادقية دولة ... خصت بتأييد من الرحمان
لما رأت مصباح شرع محمد ... بترعب الهواء ذا خفقان
جعلت له القانون يشبه زجاجة ... لتقيه هب عواصف الطغيان
فتدارسوه لما علمتم بينكم ... عودا على بدء بغير توان
والله يشملنا ويشمل جمعكم ... بالعون والتوفيق والغفران
وبعد أن ذكر الشيخ الوزير صاحب الإتحاف أبياتا من هذه القصيدة عليها بقوله: وهذه الغانية على طولها أقصر من ليالي الوصال، وأعذب ما سمع من المقال، لو لم يأت بعدها ما ينافيهأن والحر عبد إذا طمع والعبد حر إذا قنع، ومن اعظم الذنوب تحسين العيوب، "والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون" الشعراء 124 125.
يقصد الشيخ الوزير الذي أتى بعد قصيدة الشيخ قابادو في مدح عهد الأمان قصيدته التي هنأ فيها المشير الثالث حين اخمد ثورة علي بن غذاهم.