ولم يستكمل الشيخ بعد ولده الستة الأشهر حتى طوته الليالي طي السجل وأتاه محتوم الجل، بعد أن تجاوز في العمر الثمانين سنة.
وكان آدم بسمرة يعلوه أصفرار، رقيق البشرة، أحجب بقصر أبلج أشهل بضيق غاير، شم بانفراج، أسيلا مأن قصير اللحية، يتخلل شبيه خيال من بقايا الشباب، ربعة لقصر، تلوح على وجههه سيماء الصالحين، قضى عمره في العلم والعمل لله رب العالمين.
[وفاة الشيخ إبراهيم الرياحي]
وتوفي بمرض الكوليرة العام يوم الثلاثاء السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة ست وستين ومائتين وألف، من الغد حضر مشهد جنازته الأمير والمأمور، وتبرك بتشييعه الجمهور، ودفن إلى جنب ولده السابق الذكر بالمقام المذكور، ضاعف الله لهما الأجور، وحباهما الفوز الكبر يوم البعث النشور.
وكانت وفاته رضي الله عنه من آخر العهد بالمرض العام وإلى ذلك أشار تلميذه ومجاوره في المدفن الشاعر الكتب الشيخ محمد الباجي المسعودي في رثائه بقوله: [الوافر]
أرى بحر الخطوب طما وأصمى ... وأصلى غالب الأكباد جمرا
فلما استعظموه اغتال فردا ... يقوم برزء كلهم ومرا
أما في فقد إبراهيم خطب ... يعم جميع أهل الأرض طرا
[الشيخ علي الرياحي]
وقد عظمت مصيبة فقده على سائر أهل الدين، وتلقاها ولده الثاني الشيخ أبو الحسن علي بالرجوع لله رب العالمين، وكان الولد المذكور أيضا عالما زكيأن أديبا بديع المحاضرة، محبا لأعالي الأمور، ينظم الشعر الرقيق، ويطلق من رياض إنشائه أطيب عبيق، ولد سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف، ونشأ في خدمة العلم بين يدي والده، وتقدم مدرسا بجامع الزيتونة في الرتبة الأولى بعد وفاة العالم الشريف الشيخ محمد بن عاشور في صفر الخير سنة خمس وستين، وتقدم خطيبا بجامع سيدي يحيى قرب دار ابن عسال، وتوفي قبل عصر يوم الجمعة الثالث عشر من المحرم الحرام سنة ثمان وستين ومائتين وألف ودفن بالركن الثاني من بيت مدفن والده فاجتمع بالبيت المذكور ثلاثتهم، رضي الله عنهم أجمعين.
وقد أقيمت تلك الزاوية بالأحزاب والأوراد اليومية وشيد بناءها المشير الثاني محمد باشا باي لإقامة الأوراد التجانية، بذكر الله تعالى، ثم إن الوزير الأكبر خير الدين ثاني وزراء دولة المشير الثالث محمد الصادق باشا باي أراد إحياء صناعة النقش حديدة فآثر لذلك قبة الزاوية المذكورة، سيما وقد كانت إذ ذاك محتاجة إلى بعض تدارك فأتقن تشييدها بحضور بعض عملة نقش حديدة من المغرب، ونقشت قبة الزاوية نقشا بلغ من الجودة والإتقان ما يحار فيه الناظر على مصروف الدولة، وعند إتمامها على الوجه الأبدع طلب مني ثالث أبناء الشيخ مقدم الطريقة التجانية بها يومئذ أن تؤرخ هذا الصنع فأجبته لذلك، وأرختها بقولي: [الكامل]
لمقام إبراهيم فادخل آمنا ... تجلو به فضلا عظيما كامنا
واخلع حجابك بالتجرد للذي ... سواك من طين وردك كائنا
واخلص إليه من المناجاة الرجا ... وأركب بعزمك وابتهالك صافنا
ومتى وصلت حمى الرياحي فخرتو ... نس فأنزلنه فلست تخشى الآحنا
والبس به من تاج تجضان حلى ... واحمد بأحمدها السري مواطنا
وانهج له في الأرض خير طريقة ... لله تلفه في القيامة ضامنا
ورد الزلال بورده العذب الذي ... أروى وأجرى خالصا لا آسنا
واقنت لربك عاكفا متبتلا ... في خير زاوية لحفظ دعائنا