الأمير الناص باي
هو أبو عبد الله محمد الناصر ابن المشير الثاني محمد باشا ابن الباشا حسين باي ابن الباشا محمود باي ابن الباشا محمد باي الباشا حسين باي علي بن تركي قدس الله أرواحهم من ملوك تجمل بهم كرسي المملكة التونسية وقد رصعنا بجواهر مئاثرهم تاج مقدمة هذا الكتاب، وليس على الشمس حجاب.
أما شبلههم صاحب الترجمة فكانت ولادته كما سبق باكر يوم الخميس قبل الزوال بست ساعات وخمسة أدراج الموفي عشرين من شهر شوال الأكرم سنة 1271 إحدى وسبعين ومائتين وألف فأقبل على والده كالمهني بولايته الملك التونسي ولذلك كان باكورة ملك أبيه سماه الناصر وأرخ ولادته شيخ الإسلام أبو عبد الله محمد بيرم الرابع بقوله: [الكامل]
وردت على الدست الكريم بشائر ... لما بدا هذا الهلال الباهر
فتبسمت طربا ثغور للعلا ... إذ نالها هذا السرور الوافر
لله من خبر يلذ حديثه ... لهج المقيم به وسار سائر
قالوا فحركت المعالي عطفها ... زهوا ونافحها المقال العاطر
مذ زيد في التاج المنظم درة ... ونشا بغاب الملك شبل خادر
وأنظم للقوم الكرام مهذب ... في لئيم نعليه السعود تبادر
فليهن والده المشير بنيله ... وبملكه لا زال وهو الظافر
فكأنه الملك كان مواعدا ... فغدا يرافق نجله ويساير
فأسلم أباه مرفعا في غبطة ... حتى تراه وهو ناه آمر
وترى بنيه تقاد بين يديهم ... نجب وتجمع كالجدود عساكر
لما بدا أرخت هل محمد ... باكورة الملك الجديد الناصر
وقد تربى في حجر ملك والده المقدس ولما بلغ أشده اشتغل بحفظ القرآن العظيم على مربيه أبي الربيع سليمان المملوك وكان يحفظ القرآن العظيم وفيه خيرية ودين فأقيم لتربيته وتعليمه فختم عليه القرآن ثم أعاده على غيره من المماليك بعد وفاة مؤدبه ومربيه المذكور.
ثم ختنه عمه المشير الثالث صبيحة يوم الاثنين التاسع عشر من رجب سنة 1283 ثلاث وثمانين ومائتين وألف في يوم مشهود وحضره سائر آل البيت الحسيني والوزراء ورجال الدولة.
ولما بلغ ست عشرة سنة استدعاني المكلف بالمعارف العمومية الوزير حسين لإقرائه العلم الشريف ومن كان بمعيته فحضرت لذلك أواسط ذي القعدة الحرام سنة 1287 سبع وثمانين ومائتين وألف وحفظا من العلم متونا كثيرة منها الآجرومية والألفين ولامية الأفعال والجوزهرة والعقيدة السنوسية والسمرقندية وغالب فن المعاني من التلخيص وتحفة الملوك ومنتخبات مقامات الحريري وطعة وافرة من أحاديث القضاعي وبعض ترتيبات وحكم بين نثر ونظم.
أما الكتب التي أقرأتها لهما تدريسا فهي متن الآجرومية ثم شرح الشيخ خالد عليه مرتين ثم شرح القطر الألفية بشرح المكودي إلى النعت والعقيدة السنوسية والمقدمات وشرح الباجوري على الجوهرة والشرح البيرمي على إيساغوجي، والدمنهوري على السمرقندية ونبذة من تلخيص المعاني إلى أحوال متعلقات الفعل وشرح الشيخ حسن الشرنبلالي في الفقه الحنفي وقطعة من العيني على الكنز وقطعة من المغني على تحفة الملوك وشرح الدر المختار على تنوير الأبصار وقد بلغنا فيه الآن إلى الخلع والأ'مال الصحيحة من علم الحساب، والشرح الخوجي على الحكم السياسة والخلاصة النقية في أمراء إفريقية وتاريخ القرماني وقطعة من مقدمة ابن خلدون جميعها تدريسا بجد واجتهاد ورواية غالب الشفا للقاضي عياض وسرد الإبريز وقراءة صحيح البخاري دراية في ليالي رمضان كل سنة، وقد كتبت عدة أختام على كثير من الأحاديث لتي ينتهي شهر رمضان بالوقوف عليهأن نسأل الله أن يجعل جميع ذلك من العمل المبرور.