قيل: إن الشيخ لطف الله الأعجمي لما قدم إلى تونس حضر بالمدرسة المذكورة وحين علم أن شيخها هو صاحب الترجمة أخرج تقييدا من جيبه فنظره ثم قال: إن هذا الشيخ قد أمرنا بزيارته وعند ذلك طلب الاجتماع به فجلس بين يديه جلوس التلميذ، وإنما يعرف الفضل ذووه.
ولما ذكر الحاج حمودة بن عبد العزيز في تاريخه علماء دولة المقدس حسين باي بن علي قال وواحد المغرب علما ودينا وورعا أي محمد عبد الله السوسي الوافد عليها من المغرب الأقصى 1ه. وذكره المولى حسين خوجة في تاريخه بشائر أهل الإيمان فقال فيه ما نصه: منهم العالم العلامة المحقق المدقق الشيخ سيدي عبد الله بن محمد أصله من بلاد سوس المغرب وقرا في أحواز مراكش وفاس النحو والصرف والفقه، ثم انتقل ورحل إلى مصر ومكث بالأزهر مدة وأخذ عن أجلاء الوقت وعلمائه وفي عوده مكث في جزيرة جربة واستقر بمدرستها وأخذ عن الشيخ الفاضل البركة العالم الزاهد سيدي إبراهيم الجمني ثم قدم إلى القيروان واستقر بها وتصدى للتدريس أولا بزاوية صاحب المناقب الظاهرة والإشارات الباهرة الشيخ الولي الصالح سيدي سعيد الوحيشي نفعنا اللهبه وأقرأ بها مدة واشتهر بالعلم ' فاستدعاه الأمير حسين باي ورتبه في مدرسته بالقيروان وهو الآن شيخها ومدرسها عالم بالفقه والنحو والمنطق والبيان والأصول والفقه والحديث، فأقاد منها وأجاد، وله درس عظيم ومدحه الخاص والعام وهو رجل أسمر اللون حسن القامة مليح الوجه صاحب سكينة ووقار عفيف دين ذو مهابة وله ميل إلى الخمول اه.
وقد عده الشيخ المختار العياضي في مفاتيح النصر في علماء العصر فترجم له بما نصه.
الفقيه أبو محمد الشيخ عبد الله السوسي
هز من العلماء الأعلام، كأنما هو ضياء في جبين الإسلام، وبدر علم لا يفارقه التمام، جيد المعرفة بالنحو والبيان وبعلم الفقه والحديث والكلام، خزانة تحقيق، ومعدن تدقيق، قدم من المغرب إلى تونس وجد في القراءة على مشايخ ذلك العصر منهم الشيخ الصفار. ثم ارتحل إلى المشرق فعكف على العلم ساهرأن وقطف منه رياحين وأزاهر، ثم رجع إلى إفريقية فاستوطن القيروان ولازم بها التدريس والإقراء فمكث بها برهة من الزمان، حتى كان بها من أمر الله ما كان، فانتقل تحت الجناب العلي والفخر الجلي مولانا الباشا علي فأغمره في بحر إحسانه الزاخر، وصار معدودا من العلماء الأكابر، وقد أثبت من شعره ما يدل على علو قدره فمن ذلك قوله يمدح النبي صلى الله عليه وسلم ويتشوق: [الوافر]
أحن وما إلى وطني اشتياقي ... ولا شوق إلى كاسات ساقي
ولا طرب لرنات المثاني ... مجاوبة بألحان رقاق
ولا للغانيات ولاجياد ... يسابقن الراح لدى السباق
ولا للروض قد حفت بزهر ... بكل الطرف منها بائتلاق
ولا لسماع أسجاع القماري ... على دوح تخاللها السواقي
ولكن طيبة المختار طه ... علت شرفا على كل الأفاق
إلهي أوثقت رجلي ذنوبي ... على الحرمين فاحلل لي وثاقي
أعدني كي أموت بها إلهي ... بجاه المصطفى بدر اتساقي
على دين حنيفي معافى ... من الأهوال ساعة كشف ساقي
وصلى الله ما هزت سرورا ... قلوب العاشقين لدى ألاقي
على المختار خير الخلق طرا ... وأفضلهم جميعا باتفاق
وآل ثم صحب ثم تال ... بإحسان إلى يوم المساق
قلت وقد أخذ عنه كثير من علماء جامع الزيتونة كما تقدم ذكره في تراجمهم وختموا عليه أعالي كتب المعقول والمنقول وتناشدوا بين يديه رائق الشعر عند أختامه وقد أصيب في آخر عمره بضعف بصره فكتب إليه الشيخ علي الغراب بقوله: [الطويل]