الوزير الكاتب أبو القاسم بن السقاط
مستعذب المقاطع، كأنما صور من نور ساطع، أبهى من محيا الظبي الخجل، وأحلى من الأمن عند الخائف الوجل يهب عطرا نشره، ولا يغب حينا بشره، تجتليه بسامأن وتنتضيه حسامأن إن واخاك أبرم عقد إخائه، وأعفاك من زهوه وانتخائه، ماء صفائه وارف يكاد يقطر، وسماء احتفاءه واكفة أبدا تمطر، وله أدب لو نشر لكان بردا محبرأن أو تنسم لكان مسكا وعنبرأن وأما الخطابة ففي يده صار عنانهأن وعليه وقف عنانها وقد أثبت من نظمه ونثره، ما ينظمه الزمان عقدا في نحره، فمن ذلك قوله يصف أيام إيناسه، وماكيف له الشباب من أنواع الوصل وأجناسه: [المتقارب]
سقى الله أيامنا بالعذيب ... وأزماننا الغرة صوب السحاب
إذ الحب يابثنى ريحانة ... تجاذبها خطرات العتاب
وإذ أنت نوارة تجتني ... بكف الهنا من رياض التصابي
ليالي والعيش سهل الجنى ... نضير الجوانب طلق الجناب
رميتك طيرا بدوح الصبا ... وصدتك ظبيا بوادي الشباب
وله يصف يوما أطربته فيه الأماني، وهزته المثالث والمثاني وجرى الدهر به طوعا في أزمته، وانقاد إليه الأنس برمته، وسقته الراح صفوهأن وأقطعته الأيام طربها ولهوها: [الطويل]
ويوم ظللنا والمنى تحت ظله ... تدور علينا بالسعادة أفلاك
بروض سقته الجاشرية مزنة ... لها صارم من لامع البرق فتاك
ترشدنا الصهباء أضغاث آسه ... كأنا على خضر الآرائك أملاك
وقد نظمتنا للرضى راحة الهوى ... فنحن الللآلي والمودات أسلاك
تطاعننا فيه ثدي النواهد ... نهد لحربي والسنور أفناك
وتجلى لنا فيه وحوه نواعم ... يخلن بدور والغدائر أحلاك
وكتب يشفع لمدل بذمام شباب صوح نوره، وبرح به غدر الزمان وجوره:
يا سيدي الأعلى، وظهيري ومنجدي في الجلى، ونصير المنيف في دوحة النبل فرعه، الحنيف في ملة الفضل شرعه، ومن أبقاه الله لرحم أدب مجفوة يصلهأن وحرمة مقطوعة يلحمهأن الوفاء لمحاسن الأخلاق وقى الله جديد أنعمك من الدروس والأخلاق كالقلم والذهب والخضاب الموشى لراحة المحسب يستفيد به بهجة التكحل في العين ورونق التشبيب في مصوغ التبر واللجين وقد رتبته النهى أشرف ترتيب، وبوبته العلى أبدعتبويب، فما أحقه بصدر النادي وأسبقه إلى المرتبة بشرف المنادي رعاية لأوامر الآداب والمحافظة على الخلة الواشجة في أعصر الشباب وأظلاله وتذكر لربوع الصبا وأطلاله وعهود اللذات والمنثالة في بكره وآصاله وما أسحبت الليالي في ميادينه من لبوس نعيم وبوس، وأجنت الأيام في بساتينه من زهرات اتراح ومسرات، حذوا للخلق الأكمل وأخذا بقول الأول: [البسيط]
إن الكرام إذا الكرام ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن
وموصله وصل الله سراءك وأثل علاءك، أبو فلان ذاكر مشاهدك الغر الحسان وناشر ما تعتمد في صلته من مقاصد الحسن والإحسان أبقاه الله ما نظمني معه سمط ناد ولا احتواني وإياه مضمار شكر وإحماد، إلا وأثبت من مفاخرك خليطي الدر والمرجان، وجاء بطليعة السوابق في إحصاء مفاخرك رخي اللبب مرخي العنان ولقد فاوضني من أحاديث ائتلافكما في العصور الدارسة العافية، وانتظماكما في زهرات الأنس في ظلال العافية، واتساقكما في حبرات العيش الرقاق الضافية، وارتشافكما لسلافة النعيم المزة الصافية، بأفانين الغيطان والنجود، وزخارف الروض المجود، ومعاطف الطرر بين خيلان الخدود، ما لو لقيت بشاشته الصخر لمنح بهجة الإيراق، ولو ألقيت عذوبته في البحر لأصبح حلو المذاق، ولو رقي به البدر لوقي آفة المحاق، ولو مر ببيداء لعادت كسواد العراق، وأزمع أن يسير بنواعج لواعجه، في طرقه ومناهجه، ويطير بجناح الارتياح في الدو، إلى متقاذف ذلك الجو، ليكحل بالتماحك جفونه، ويجلو بأوضاحك دجونه، ويجدد بلقائك عهدا أنهج البين رسمه، ويشاهد بمشاهدة علائك سرورا محت يد البين وسمه، ويحطمن أفناء بشرك بالأهل العامر، ويسقط من أنواء برك على المحافل الغامر، فخاطبت معرضا عن التحريض، ومجتزيا بنبذ العرض ولمح التعريض، وتابعا له بأسرارك تلك الخطرات ذكر العهود القديمة، وارتياحك للقاء مثله من أعلاق العشرة الكريمة، وأنت ولي ما تتلقاه به من تأنيس ينشر ميت رجائه، ويعمر مقفر أرجائه، لا زلت عاطفا على الأخلاء بكرم الود، قاطعا زهر الثناء من كمام الحمد، بحول الله.