أخلاقه
كان رحمه الله متواضعا بشوشا وفيا نصوحا، ولتلاميذه حب جم فيه غرسه في قلوبهم نصحه لهم وإخلاصه في تربيتهم وتعليمهم، عزيز النفس، قوي العزيمة.
مرضه وموته وموكب جنازته
كان رحمه الله مصابا بداء ضعف القلب منذ أمد بعيد وكان أثره فيه خفيا، ولم تظهر أمارته عليه إلا في السنين الأخيرة وهو يغالبه بجلده وصبره، وكان يشعر في آخر عمره بدنو الأجل وتصرم حبل الحياة، وقد كتب رحمه الله وصية بخطه عهد تنفيذها إلى بنيه وأودعها ما يحب أن يكون في غسله وتكفينه وحمله وتشييعه والصلاة عليه ودفنه ولم يخرج في شيء مما أوصى به عن محيط السنة ومن مظاهر بر بنيه بعد موته أن نفذوها كما عهد إليهم. وكان موكب جنازته من المواكب النادرة شاركت فيه طبقات الأمة كافة آسفة حزينة ولاسيما تلاميذه على وفرة عددهم، وصلي عليه بالمقبرة طبق وصيته ودفن في تربة سلفه بالزلاج.
نسأل الله أن يتغمده برحمته ورضاه وأن يجعل من بنيه خير معز عنه يبقي ذكره ويعمر بيته إن ربي قريب مجيب.
وكتبت مجلة الهداية الإسلامية في عددها 9 من المجلد 10 الصادر بالقاهرة في شهر ربيع الأول سنة (1307) ما يأتي وهو بقلم صديق صاحب الترجمة الستاذ العلامة الشيخ خضر حسين تحت عنوان:
مصاب تونس بوفاة عالم جليل
أصيبت تونس بوفاة العلامة الجليل صديقنا الأستاذ الشيخ السيد محمد الصادق النيفر قاضي القضاة بتونس سابقا، فقد كان الأستاذ رحمه الله أحد النوابغ الذين أنبتتهم الجامعة الزيتونية نباتا حسنا وكان له فضل كبير في النهضة العلمية الحديثة وقد قدرت الجمعيات العلمية والأدبية في تونس قدر الأستاذ الراحل فأقاموا له عند مرور أربعين يوما على وفاته حفلة تأبين ألقى فيها كثير من العلماء والأدباء خطبا وقصائد أتوا فيها على ما كان للفقيد من غزارة علم وسمو أخلاق وجهاد في سبيل الحركة الوطنية السياسية.
وكانت لجنة هذه الحفلة أشعرت رئيس تحرير هذه المجلة بما عزمت عليه من تأبين صديقه الأستاذ فاختار أن يشارك في تلك الحفلة بكلمة في صلة الصداقة التي انعقدت بينه وبين الأستاذ رحمه الله وبعث إلى اللجنة المكلفة بالكلمات الآتية:
طالعت المجلة الزيتونية الزاهرة ووقع بصري على عنوان رثاء فقيد العلم الإمام محمد الصادق النيفر فرماني هذا العنوان بسهم من نار فإذا الفؤاد يتلظى والفكر يتقلب في ذكريات العهد الذي كنت أتمتع فيه بصحبة الأستاذ الفقيد ورابطة الصداقة بيني وبينه خالصة محكمة.
تقدمت الأستاذ الراحل في تلقي العلم ببضع سنين وكنت أراه فيمن أرى من طلاب العلم وهو يشار إليه بأنه حفيد العلامة القاضي في ذلك العهد الشيخ محمد الطاهر النيفر وكنت ألاقي الفقيد في الطريق فيبادرني التحية فأقدر له ذلك الأدب السني، واللبنة الأولى في بناء صداقته المتينة أني كنت يوما جالسا يوما بالجامع الأعظم فأقبل رحمه الله وجلس يحييني في تواضع زاده في عيني رفعة وأبدى رغبة في دراسة علمي العروض والقوافي، وأذكر إن لم تخني الذاكرة أننا قرأنا على وجه المذاكرة فصلا أو فصلين من علمي العروض بالحجرة القائمة على يمين المصلى بالمعهد الزيتوني فعرفت في ذلك الفتى يومئذ نباهة الألمعي وأدب الماجد السري وانتظمت الصداقة بيني وبينه في صفاء وسماحة.