-6- الشيخ سعيد الشيبوقي
لا أعرف لهذا القاضي ترجمة غير أنه ولي القضاء في المذهب المالكي بعد وفاة الشيخ إبراهيم المزاج. واتفق في مدة ولايته مبدأ دولة الأمير علي باي أن وقع جدب واحتبست المطر بتونس مدة، فطلب أهل البلد عزل القاضي وكان لسان حالهم ينشد قول الشاعر: [المتقارب]
يمر السحاب ببلدتنا ... فلا يستطيع إليها النزول
يروح ويغدو ولم يسقها ... لجور القضاة وزور العدول
ولما لم يجد الأمير بدا من إجابة مطلبهم أمر بعزله، وأرسل للشيخ سويسي وأولاه مكانه، قيل أن القاضي الجديد لم يصل من باردو إلى تونس إلا مبتل الثياب بالمطر، وكان الشيخ سعيد يقول إني لم أعجب لطلب أهل البلاد لعزلي حيث كنت نعلم:
إن نصف الناس أعداء لمن ... ولي الأحكام هذا إن عدل
ولا من إجابة الأمير لذلك لأنه مضطر لإجابتهم وإنما تعجبت لصب المطر رحمة الله عليه آمين.
-7- الشيخ محمد سويسي
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد سويسي الشريف. نشا بين يدي والده، وقرا عليه العلوم العربية والفقهية، وقرا الفقه على الشيخ عبد الله السويسي، والشيخ محمد الهدة، وغيرهم من علماء جامع الزيتونة. وتضلع بالعقول والمنقول والفروع والأصول وجاس للتدريس بجامع الزيتونة وتقدم لمشيخة بير الحجار.
ثم قدمه الأمير علي باي لخطة القضاء لعلمه ودينه، وكان عالما عاملا زاهدا متقشفا يجلس للحكم على جلد شاة ويأكل من عمل يديه قيل إنه كان يخبز في كل يوم قرصة ويتحمل بنفسه مؤونة عجنها وطيابها بطاجين أمامه فحضرت بين يديه نازلة وكانت القرصة في طاجينها فالتفت أحد الخصمين فرآها أخذت في الانحراق فأسرع إلى قلبها على الوجه الآخر فصاح به الشيخ إنك قد تركتني اليوم بلا طعام ولم يأكلها حيث رأى أن صنيع الخصم بها من الرشوة للقاضي وهكذا كان ورعه رضي الله عنه.
وجلس لقراءة القرآن على كرسي ختمة جامع الزيتونة بعد وفاة والده مدة طويلة إلى أن أصيب خليفة الجامع الشيخ حمودة إدريس عند صلاة الظهر بقصورة الجامع وضاق الوقت عن انتظار تولية الأمير فأجمع المسلمون الحاضرون بالجامع على تقديم قاضيهم صاحب الترجمة، فلما نزل من القرءة عن الختمة قدموه للصلاة بهم، ولما باغ الأمير علي باي ذلك قال لا أعدل عمن اختاره المسلمون لأنفسهم فقدمه خليفة بجامع الزيتونة فزان المحراب والمنبر وخطب الخطب البليغة واستلان القلوب بحسن ترتيله ومواعظه مع ملازمته للإقراء بجامع الزيتونة بحيث إنه عمر الجامع سنين متطاولة وولده أبو الحسن علي شيخ الختمة إلى أن حضرته الوفاة وهو على خططه الرفيعة بين قضاء وإمامة وتدريس فتوفي سنة 1204 أربع ومائتين وألف عليه رحمة الله آمين وقد رثاه أحد الشعراء بقوله: [الخفيف]
آيل الناس هكذا بطن رمس ... موحش من حواه من بعد أنس
غصة الموت أوقفت كل شخص ... تحت جبن وبلدت كل حس
ليس يدري ولا يداري نفيسا ... نفس الكرب أو هبوبة دوس
مثل هذا الرئيس من كان طودا ... عالما قد أعيذ من كل لبس
أنفق العمر في العلوم وأمسى ... مسهرا للعيون في حرف طرس
حين لاقى الإله قد أرخوه ... (نال طولا من الكريم السويسي)