حج بيت الله الحرام ثلاثا وتوفي في ثالثها بعد الزيارة بالمدينة المنورة، وقد ظهرت عليه مكاشفات قبل موته حقق بها لولده أنه غير راجع إلى تونس، ثم أتى عليه إسهال إلأى ان توفي ودفن بالبقيع فكانت وفاته في المحرم سنة 1277 سبع وسبعين ومائتين وألف عليه رحمة الله آمين.
39 الشيخ محمد القبايلي
هو الشيخ أبو عبد الله أحمد بن محمد بن يحيى البجائي المزي الشريف، وقفت على وثيقة أقيمت ببجاية تشهد بشرف جده محمد مؤرخة بأوائل صفر الخير سنة 1160 ستين ومائة وألف وجده المذكور هو القادم من القبائل لتونس.
وكان والد صاحب الترجمة تاجرا خيرا حافظا للقرآن العظيم عليه سيماء الصالحين.
ونشأ ولده في خدمة العلم الشريف وقرأ على علماء كثيرين، قرأ على الشيخ أبي محمد حسن الشريف، والشيخ أحممد بوخريص، والشيخ الطاهر بن مسعود، والشيخ إبراهيم الرياحي، والشيخ محمد بن ملوكة وغيرهم من علماء ذلك العصر.
وجلس للتدريس فأفاد، وتقدم مدرسا بجامع الزيتونة في الطبقة الأولى عند وضع الترتيب الأحمدي أواخر شهر رمضان المعظم سنة 1258 ثمان وخمسين ومائتين وألف فزان الجامع بدروسه الرائقة غير أنه مع ذلك استغل بالمتجر واتسع فيه نطاقه وذلك هو الذي منعه من كثرة الإقراء مع كونه عالما جليلا.
تقدم لحظة قضاء باردو المعمور في الحادي عشر من صفر الخير سنة 1263 ثلاث وستين ومائتين وألف فأحسن القيام بها وحمد مسعاه فيها ثم قدمه المشير أحمد باشا باي لحظة الفتيا فولي مفتيا خامسا في الخامس والعشرين من رجب سنة 1267 سبع وستين ومائتين وألف، وأفاد الطالبين والمستفتين ولما توفي الشيخ الخضار صار مفتيا رابعا.
أما شعره فهو عزيز ومن أحسنه القصيدة الغراء التي مدح بها المشير الأول أحمد باشا باي وجمع فيها مفاخر دولته وشكر بها صنعه في نشر العلم بجامع الزيتونة وهي قوله: [الطويل]
خليلي ما تلك القباب التي تجلو ... فقد لاح منها ما به يذهل العقل
تراءت على بعد فعاودني الصبا ... وهيج لي التذكار ما كان لي يحلو
تهادي سرورا والهموم تذودها ... كما تفعل الصهباء لو فاتها الخبل
وتمنه من وافاه رونق حسنها ... من أن يلتوي عنها ولو شأنها المحل
بعيد عن الآفات من حام حولها ... فلا ضيم يخشاه ولا ظالم نذل
إذا ما علته الطير ظلت سواكنا ... كأن جناح الطير أوثقه الكبل
تظل حيارى من غرائب صنعها ... وإن تركت أفراخها ما لها أكل
متى أمها الرامي وأوتر قوسه ... وحقق فيها الرمي طاش له النبل
كذلك جار الأكرمين ممنع ... مصون عن الأعداء ما نيله سهل
ومن بينها حسن ترآى لناظري ... مشسدة أركانه شادة العدل
فيممته حين وقفت تجاهه ... وأيقنت أن الحصن ليس له مثل
فناجتن نفسي أنتي الآن واقف ... أمام الذي يمناه بالجود تنهل
مشير أبي العباس من طار صيته ... فعم البرايا والكرام له تتلو
إمام همام سيد خضعت له ... رقاب الألى ما كن يخضعن من قبل؟
فتوجهم تاج الرضى وأنالهم ... مقامات عز شامخات بهم تعلو
ولو أعرضوا أو خالفوا لأذاقهم ... كؤوس المنايا صاغرين وإن جلوا
فمجده مر علقمي مذاقه ... مهاب إذا قابلته العقل يختل؟
فحاذر إذا جئته حين جده ... وبادر إليه ريثما يشتهى الهزل
خبير بأعقاب الأمور وسره ... مصون صدور لا يحل لها قفل
وكم له من فخر وفضل وسؤدد ... وفعل جميل لا يحيط به القول