الشيخ محمد بن سلامة
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن الطيب بن أحمد بن علي بن الباهي بن سلامة الطرابلسي المحمودي من بني سليم قدم جده الباهي من سلامة من طرابلس إلى حاضرة وكان تونس وكان بها مؤدبا.
ونشأة ولده الشيخ أبو الحسن علي في خدمة العلم الشريف وقرأ على فحول العلماء وتصدى لبث العلم في جامع الزيتونة فأخذ عنه علماء كثيرون منهم شيخ الإسلام البيرمي الثاني وغيره وتقدم إماما وخطيبا بجامع التوفيق فزان المحراب والمنبر بعلمه وفصاحته، وتقدم لخطة قضاء باردو المعمور فقام بها أحسن قيام وأنصف في إبرام الأحكام إلى أن سار لرحمة المالك العلام وأرخ وفاته الشيخ محمد المولا الحنفي بقوله: [المتقارب]
ألا كل شيء ملاق حمامه ... بذا الرب في اللوح خط ارتسامه
فطوبى لمن كان مستعتبا ... غدا سالكا لسبيل السلامه
كهذا الإمام الزكي من عليه ... قد انتشرت للقبول علامه
وقضى الزمان بحسن قضاه ... وخص بدرس العلوم كلامه
ولبى مجيبا لداعي الحمام ... فحل القصور بدار الكرامه
فأغمره الله من فضله ... وأعطاه رب البرايا مرامه
فمن أجل ذاك أرخوا ... ببيت كسمط أجادوا انسجامه
حوى كل رفد وكل المنى ... علي الإمام هو ابن سلامه
وترك ولده الشيخ أبا العباس، متحليا من العلم بأفخر لباس، أخذ العلم عن والده وعن الشيخ صالح الكواش، وتصدى للتدريس فزان جامع الزيتونة. ولما توفي والده تقدم عوضه لإمامة جامع التوفيق وخطب على منبره كوالده ثم قدمه الأمير حمودة باشا قاضيا ببنزت فأقام فيها مدة ثم حن إلى منبت غرسه فاستقبال من الخطة وولي عوضه فيها الشيخ حمزة الجباس سنة خمس عشرة فأقام هنالك نحو الخمسة الأشهر ثم استقال فرجع مصحوبا بمرض لازمه إلى الوفاة.
وأما الشيخ أحمد بن سلامة فإنه لما رجع إلى الحاضرة أقام على التدريس بجامع الزيتونة وتقدم شاهدا على أوقاف الحرمين الشريفين يوم الأحد الثامن عشر من جمادى الأولى سنة 1216 ست عشرة ومائتين وألف ولما توفي الشيخ صالح الكواش قدمه الأمير لمشيخة المدرسة المنتصرة عوضه فزانه بدروسه ولما توفي الشيخ الطاهر بن مسعود أواخر صفر الخير سنة 34 أربع وثلاثين تقدم عوضه مدرسا بجامع الزيتونة بدرس مراد باي وكانت دروسه بجامع الزيتونة بين فقه وحديث مع القيام بشهادة الحرمين الشريفين غير أنها كانت سبب محنته التي أصيب بها في آخر عمره وذلك أن الأمير حسين باشا كان يبلغه عنه ما يسوؤه من ذم دولته ومدح أبناء عمه السالفين وكان يغض الطرف عن ذلك حتى اتفق أن عرضت نازلة زيتون أوصلته الوراثة للشيخ أحمد بن سلامة وهو في شركة ابن الأمير محمد باي فأراد الأمير أن يضم لابنه الجزء الذي بيد الشيخ ورام أن يرسل إليه في طلب بيعه فامتنع رجال الدولة كلهم من طلب الشيخ في ذلك متعللين بتشدده وعدم ميله فتأكد عند الأمير ما كان يبلغه فأرسل إليه وأحضره بين يديه وسأله بيع الزيتون بما يريد من الثمن فلم يتهيب أن تجاسر عليه بكلمات لا يخاطب بها الملوك بعد التمنع من البيع وتزايد أمامه في التفاوه حتى أمر بقتله فأخرج من بين يديه وترامى أحد أعيان الدولة على الأمير متوسلا في حفظ دمه لعلمه فقبل شفاعته وأمر بعزله من جميع وظائفه وهي شهادة أوقاف الحرمين الشريفين ودرس مراد باي بجامع الزيتونة وجراية ثلاثة أرباع من الجزية ومشيخة المدرسة المنتصرة التي قد وليها بعده الشيخ محمد العذاري قاضي المحلة وأمر بسجنه ومحاسبته عما تعاطاه في أوقاف الحرمين الشريفين فأجلت المحاسبة على أن عند الشيخ أموالا باهظة أخذ فيها جميع كسبه الذي منه جزء الزيتون الذي امتنع من بيعه وبقي ولده يجمع المال ويدفع عن والده إلى أن أصابه مرض الطاعون العام فتوفي في سجنه يوم الجمعة السابع عشر من جمادى الأولى سنة 1234 أربع وثلاثين ومائتين وألف ورثاه الشيخ أبو عبد الله محمد بيرم الثاني بقصيدة قال في آخرها: