الشيخ محمد المجحوب
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بفتح الميم الأولى ابن قاسم ابن الحاج المحجوب الشريف ولد في النيف والخمسين بعد المائة والألف، وتربى في حجر والده فأخذ عنه معقول العلوم ومنقولها، وتصدى للأخذ بجامع الزيتونة فأخذ عن أعلام العصر قرأ على الشيخ أبي عبد الله محمد الغرياني والشيخ أبي عبد الله محمد الشحمي والشيخ أبي عبد الله محمد بيرم الأول، وتصدى للإقراء على أسلوب غريب من أبدع الأساليب سلك به طريقة والده، وأجرى به للجهابذة أعذب موارده، ولما ختم المختصر الخليلي امتدحه تلميذه الشيخ أبو عبد الله محمد بن سعيد النجم بقصيدة مثبتة في شعره قال في مطلعها: [الطويل]
ألا من لصب قد براه هواه ... فيذهب وجد حار فيه حجاه
ولما ظهرت له المزية تقدم للخطة الشرعية فولي الفتيا مع والده، وكان يومئذ قاضي باردو الشيخ منصور المنزلي آية الله في الذكاء والتضلع بمقتضيات الأصول والفقه حتى أولاه الأمير عاملا على الوطن القبلي مع خطة القضاء بباردو ولما أعياه التشكي من عمال البلد المذكور وصار الشيخ يقضي بباردو صباحا ويجلس بداره عشية لقبول نوازل عمله حتى فيل في ذلك من الملحون:
يا منزلي خذ الفلوس بزايد ... في الصبح قاضي وفي العشية قايد
وبفقهه وتبصره كانت له مع الشيخ قاسم المحجوب والد صاحب الترجمة في المجلس الشرعي عدة منازعات، يستجيد موقعها في تلك الأوقات، ولما ولي الفتيا ولده المذكور حذره ترصد الشيخ منصور لكنه بذلك قد زاد اعتناؤه، وتفقه تفقها حمد مبدؤه وانتهاؤه.
ولما توفي والده تقدم لرئاسة أهل الشورى فكان رئيسها الذي لم يزل فخرها به يتلى، وجماله على تلك المنصة يجلى، وبذلك جمع له بين التعزية والتهنئة الشيخ محمد الغضبان بقصيدته التي قال في مطلعها: [الكامل]
ما للمدامع بالربوع تبدد ... أسفا ونيران الأسى تتوقد
إلى أن قال فيها:
ولقد أقيم مقامه النجل الزكي ... بدر الدجى المولى الهمام محمد
وهناه نجم الأيمة ابن سعيد بالقصيدة التي قال في مطلعها [الكامل]
حجبت سلوي عن هواك حواجب ... ومعاطف منها القلوب عواطف
إلى أن قال فيها:
سندي أبو عبد الإله محمد النير الأسمى الغمام الساكب
فخر المشاهير المحاجبة اللس ... لهم النجوم النيرات مناقب
وقد ثبت على صراط الفتوى، وزانها بالعلم والتقوى، وتقدم لمشيخة مدرسة علي باي الجديدة عند بنائها فأقام دروسها وأخذ عنه من نزلائها ووارديها، وكان عالما أصوليا عاملا حافظا للمذهب المالكي عارفا بأصول المدارك، وقورا مهيبا، خبيرا بالسياسة الشرعية معتقدا كريما صاحب عفة وصيانة، وكمال مرؤة وديانة، وكان الأمير حمودة باشا لا يأذن للمجلس الشرعي بالاجتماع بين يدية إلا بعد أن يتحقق حضور الشيخ المحجوب بحيث إنه يأذن شيخ المدينة بأن يقابل الشيخ أولا فإن رأى عزمه على الحضور يعلم بقية الشيوخ من المالكية والحنفية وإلا لم يعلم أحدا. ولا يخاطبه إلا بالسيادة، ويحضر بموكبه العام بمنزله بسانية جبل المنار ويجله غاية الإجلال لمكان علمه وحفظه للمذهب. وله مع تلميذه القاضي إسماعيل في النوازل الشرعية وقائع تنبئ على غاية تضلعه وتثبته طالما انتصر فيها تلميذه بموافقة عموم المجلس من المالكية والحنفية فلا يلبث بهم الشيخ المحجوب أن يهدم جميع ما بنوه عند انعقاد المجلس بمحضر الأمير ويرجع إليه جميعهم بمرأى ومسمع من الأمير.