12 المولى المشير محمد الصادق باشا باي
خلد الله بقاءه [1229 1299] هو المشير أبو الوفاء محمد الصادق بن حسين بن محمود بن محمد الرشيد بن حسين بن علي تركي، يتصل بشرف والدته السابقة الذكر في ترجمة شقيقه المشير الثاني، وهو ثاني عشر ملوك آل بيته العظام، وخامس آبائه الذين تجملت بتاج ملكهم عروس الأيام. ولد في الثاني عشر رجب الأصب سنة تسع وعشرين ومائتين وألف، وتربى في حجور عز دولتي جده وأبيه. وحصل من اعتناء والده به ما بلغه إلى الشأن النبيه, وقد تقدم إلى ولاية الأمحال أواسط شهر رمضان المعظم سنة إحدى وسبعين ومائتين وألف. وخرج في اول محلة فأوقع ببغاة عمدون حيث وجدهم متخبطين في أشراك بغيهم، فأوقع بهم. وظهر منه في تلك المحلة من حسن السعي والتدبير ما حمد به خبره حيث أنه بعد أن قهرهم استعمل معهم الرفق والحلم واصطنعهم للملكة.
ولازم السفر بالأمحال مدة دولة المقدس أخيه إلى أ، اشتد المرض بأخيه وكان هو مسافرا بالمحلة في باجة فأرسل إليه أخوه واستقدمه على جناح طائر فحضر مشهد جنازة أخيه. وقبل البيعة العامة من كافة رجال الدولة والأهالي صبيحة يوم السبت السادس والعشرين من صفر الخير سنة ست وسبعين. ووفدت الوفود لبيعته وتهنئته فأقر سائر رجال دولة أخيه على مناصبهم ووردت إليه الخلعة العثمانية صحبة وزير البحر خير الدين ورئيس المجلس البلدي حسين فتقلد السيف الخاقاني صبيحة الثامن والعشرين من جمادى الثانية سنة ست وسبعين وأعمل الحزم في إنجاز مشروع أخيه بإتمام القوانين المبنية على عهد الأمان, وجمع لها خاصة العلماء والأعيان، فاستكملوا وضعها وأجملوا صنعها.
وخرج إلى مملكة الجزائر حين قدم إليها إمبراطور فرنسا نابليون الثالث لإحكام علاقة المجاورة التي بين المملكتين وكان ركوته من الحاضرة صبيحة السبت التاسع العشرين من صفر الخير سنة سبع وسبعين. ووصل إلى مرسى الجزائر بوصول الإمبراطور فأكرم نزله وأحسن تلقيه واستصحبه في سائر المشاهد والملاعب والطرادات التي هيئت له. وقلد كل منهما صاحبه نيشانه، وقضاها ثمانية أيام بديعة، لخص ما وقع فيها مستشار الخارجية حسين في رسالة مطبوعة.
ورجع ثامن ربيع الأول وجرى على قويم منهجه في حث رجال القانون على إنجاز عملهم فاستكمله ونظم المجالس القانونية وتزينت لذلك البلاد زينة لم يسبق لها نظير ليلة الأحد منتصف شوال سنة سبع وسبعين، وفي صبيحة الأحد كان مبدأ اجتماع المجالس فوضعت على الترتيب الآتي، وهي المجلس الأكبر، وله رئيسان، وهما: مصطفى صاحب الطابع، ومصطفى خزندار، وكاهيته خير الدين، والمجلس الاعتيادي، ورئيسه محمد خزندار، وكاهيته حسونة بن أحمد الحداد الأندلسي، ومجلس التحقيق، ورئيسه صاحب الطابع إسماعيل السني، وكاهيته الشيخ محمد الشاهد، ومجلس الجنايات، ورئيسه فرحات آغة الكاف، وكاهيته الشيخ صالح النيفر. وباشرت المجالس الحكم على مقتضى القانون وأظهرت الأمة حرية آرائها في الأحكام والعوائد واستمر حكم القوانين نحو ثلاث سنين إلا أدن المجلس الأكبر رأى توفير مداخيل الدولة بجعل مال الإعانة على ست مراتب أدناها ستة وثلاثون وأعلاها مائة وثمانية ريالات تعم أهل الحواضر والقرى وأغراب المملكة ويقع تعيين ذلك عليهم على حسب كسبهم، وصدر معروض المجلس الأكبر في ذلك بتاريخ عاشر شوال سنة ثمانين. ثم جعلت اثنين وسبعين ريالا على عموم الأفراد. وصدرت بذلك أوامر الدولة. وحين انتشر هذا الخبر اختلف صنيع أهل المملكة فأما عقلاء الحواضر والأعراب فقد رفعوا شكاياتهم وتلطفوا في طلب التخفيف، وأما أجلاف الأعراب ولا سيما أهالي الجبال فإنهم تجمعوا وأشهروا السلاح ومنعوا الطرقات وتعمدوا البغي، وجمع كيدهم أحذ أجلافهم وهو دعي أصله من ماجر يسمى علي بن غذاهم. فخرج لهم فرحات آغة الكاف بسرية قاصدا ناحيتهم فتلقته عروش ونيفة وقاتلوه إلى أن قتلوه. واشتطت حمقاهم فنادوا بطلب إبطال القوانين، وعند ذلك صدرت الأوامر العلية بإيقاف أحكام القوانين صبيحة الرابع والعشرين من القعدة الحرام، سنة ثمانين، ونن الغد صدرت الأوامر العلية في إسقاط ما زاد على الستة والثلاثين. ونودي بذلك في سائر أطراف المملكة في الخامس والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ثمانين ومائتين وألف، وخرجت المحال المنصورة، فتوجه إسماعيل السني صاحب الطابع إلى الجبل بمحلة مركبة من نحو خمسة آلاف من العسكر وباشر الأمور بلين وسكن حمق الأعراب بمواعيد الدولة وتأمينها وتفرقت كلمتهم ورجع عقلاؤهم على سفهائهم بعد وقوع أضرار كثيرة بالفلاحة ونهب بين الأعراب، وكاد سكون الفتنة أن يستتب. فرجع صاحب الطابع مريضا من المحلة المذكورة وسافر عوضه للترؤس عليها وزير العمالة رستم.