هذا أبو العباس أحمد أوحد ال ... فضلاء عالم دهره وجليله
الجهبذ الأبي من في عصره ... قد كان وهو لرأسه إكليله
مفتي الورى الأرضى لذي ألعلم قد ... جمعت لديه فروعه وأصوله
أفني نفيس العمر في تحريره ... علما يفيد يناله وينيله
لله ما أبداه في تدريسه ... من در تحقيق يروق صقيله
ويبيت يقضي نصحه في همه ... فيما من الحق المبين يقوله
وأمانة في العلم أما نصحه ... لمريد أخذ عنه فهو سبيله
تبكيه حافلة الدروس وأهلها ... والدمع قد يغني الحزين هموله
ومساجد قد كان بدرا ساميا ... في أفقها واليوم يلك طلوله
يا رب إنك قد وعدت بعتقه ... والعمر بشره بذلك طوله
ولذلك أعلن من يقول مؤرخا: ... (في جنة الفردوس طاب نزوله)
29
الشيخ محمود باكير
هو الشيخ أبو الثناء محمود بن حمودة بن حسين بن ملا باكير، ولد جده الشيخ ملا باكير الحنفي في بلاد الترك وقرأ بها مبادئ العلم الشريف، ثم قدم إلى تونس فقرأ بها على الشيخ أحمد برناز وغيره واعتكف على العلم والمطالعة وتقدم إماما للباشا على باي وله في العلوم يد طولى.
أما ولده حسين فقد حج بيت الله الحرام وتزوج بإحدى بنات الشريفة حسينة بنت محمد بن أبي القاسم بن محمد بن علي بن حسن بن أحمد الشريف إمام مسجد دار الباشا، ومنها كان ولده الشيخ أبو محمد حمودة وكان عالما فاضلا ثقة خيرا قدمه الأمير علي باشا باي إماما بسراية باردو لإقامة الخمس ورواية البخاري وقدمه لإقراء ولده لأمير حمودة باشا العلم الشريف فتصدى لذلك ولازم سكنى باردو المعمور، وبسبب ذلك لم يستمر على الإقراء بجامع الزيتونة وكانت عنايته بإقراء الأمير ابن الأمير وتربيته وحصل بذلك على إقبال عظيم من لخاصة والعامة مرموقا بعين الإجلال يأتيه الفقهاء للتهنئة بالمواسم العيدية لمكان علمه وجاهه. ولم يزل على جلالته إلى أن توفي ليلة الجمعة الرابع العشرين من ذي الحجة الحرام سنة عشرين ومائتين وألف وحضر ابنه الروحي الأمير حمودة باشا جنازته مع سائر أل بيته وشيعها راجلا إلى المقبرة وهو يطيل البكاء والنحيب في ذلك المشهد العام برورا بشيخه وشيخ تربيته وبذلك اكتسب فخرا في الوفاء وحسن العهد والبرور لم يعهد مثله بحيث إن المجامع قضت أياما تروي حديث ما وقع من الأمير مع شيخه رحم الله جميعهم.
ثم كانت ولادة صاحب الترجمة أواخر رمضان سنة 1182 اثنتين وثمانين ومائة وألف ونشأ بين يدي أبيه مرموقا برعاية ابن تربية أبيه الأمير حمودة باشا وكان به حفيا، وأخذ العلم عن والده أولا ثم عن علماء جامع الزيتونة منهم شيخ الإسلام البيرمي الثاني، والشيخ صالح الكواش. وغيرهم، وحصل على الملكة في المعقول والمنقول، وتصدى للتدريس بجامع الزيتونة. ولما توفي والده قدمه الأمير حمودة باشا لإمامة الخمس بمسجد دار الباشا صبيحة يوم الأحد السابع والعشرين من ذي الحجة الحرام سنة 20 عشرين وقربه وآواه فجبر صدع فقد أبيه وغمره بعطائه وأقام على الوفاء ببر شيخه مع ابنه هو وأخوه الأمير عثمان باي وبانقراض دولته عزل عن الإمامة المذكورة رحم الله جميعهم.
ثم إنه تقدم للإمامة بجامع القصر وتقدم مدرسا في المرتبة الأولى عند وضع الترتيب الأحمدي أواخر شهر رمضان المعظم سنة 1258 ثمان وخمسين ومائتين وألف ولازم التدريس بجامع الزيتونة.