11 المولى المشير محمد باشا باي
[1226 1276] هو المشير أبو عبد الله محمد بن حسين بن محمود بم محمد الرشيد بن حسين بن علي تركي، وأمه فاطمة بنت محمد بن عثمان بن علي بن عثمان وفاطمة هاته أمها شلبية بنت على بن مصطفى الشريف ممن عرفوا بالشرف ويلبسون علامته بحاضرة تونس. أما عثمان الأعلى جد فاطمة المذكورة فوالدته تركية بنت حسين خوجة صهر الداي أسطى مراد، ويقال: إنها لها شرفا من قبل أمها، على كل حال فإن المشير المذكور له شرف يتصل به.
وقد ولد سنة ست وعشرين ومائتين وألف، ونشأ في بذاخة عز دولتي جده وأبيه. وزوجه والده بابنة شيخ الإسلام البيرمي الثالث، وأقام له العرس الفاخر الذي جرى على نسق أعراس الملوك العباسيين. وأولم له بدعوة الجفلى، وأظهر فيه فخامة الملك ومآثر الفضل والبذل ما لا يدخل نحن حصره، وكان زفافها إليه ليلة الخامس عشر من شعبان سنة تسع وأربعين ومائتين وألف.
وسافر في الأمحال على عهد تملك عمه فجعلها عمه بينه وبين ولده يتداولانها إلى أن توفي عمه، فاستقل هو بولاية الأمحال، وباشر خفي الولاية وجليها.
ولما توفي ابن عمه قبل هو البيعة العامة صبيحة يوم الخميس السادس عشر من شهر رمضان المعظم سنة إحدى وسبعين ومائتين وألف. ووفدت عليه الوفود للبيعة والتهنئة، فزان ملك آبائه وأجداده كابرا عن كابر، وأقر سائر الوزراء على وظائفهم، فكان مصطفى خزندار وزير العمالة والمال، ومصطفى آغا وزير الحرب. وجعل خير الدين وزير البحر، والنصراني فيلسين راف وزير الخارجية، وجعل التنفيذ بيد الداي محمد، وأقام صهره إسماعيل السني صاحب طابعه. واستدرك حال المملكة وضنكها، فأمر بتسريح جموع العساكر التي وجدها ولم يبق من عشرات آلافها المتآلفة إلا من بهم الحاجة للحراسة وحفظ شارات الملك، وأجرى على من أبقاهم فيوضا من الإحسان، وهواطل من امتنان، وزيادة على تخليص جراياتهم التي يستحقونها، واستصحبهم معه في تنزهاته وخروجاته الشهيرة، وأطعمهم أعز الطعام من اللحوم والطيور والفواكه والمصنوعات السكرية البديعة، فأصبحوا في نعيم التنعيم، وخلد بذلك لنفسه ذكرا حميدا بين جموع السلامة من آلاف العساكر التي انتقاها، ولحفظ الراحة تخيرها وأبقاها. ولما وردت عساكر الجهاد الذين كانوا في دار الخلافة العثمانية أكرم قبولهم وأثنى على صنيعهم الحميد وتلقاهم بغاية البر والإنعام وجازاهم بزيادة الخمس في مرتب جميع العساكر النظامية، وكان ذلك في ذي الحجة الحرام سنة اثنتين وسبعين.
وقد أسقط غالب الأداءات التي وجدها مضروبة على المبيعات من الحيوان وغيره مما ضاق به ذرع المكاسب العمومية. وأزال عن الإعراب وسكان القرى جميع ما كانوا فيه من ضيم المكوس وأداءاتها وضرائبها وخطاياها، وفك أسرهم من ذلك كله وعوض للدولة من جميع ما أسقطه وأزاله أداء معينا على الرجال القادرين من الأعراب وسكان القرى قدره ستة وثلاثون ريالا سنويا لا يكلفون بغيرها، وأصدر بذلك منشوره الشهير المؤرخ بأواسط شوال سنة اثنتين وسبعين، وذلك بعد أن أطلق المقيدين في العسكرية. فاطمأن الناس عموما وأقبلت الأعراب وسكان القرى على شأن الفلاحة آمنين على كسبهم من الخطايا والضرائب. وساعد البخت بحصول الخصب العظيم، فأثرت المملكة ثروة بعد العهد بمثلها مع الأمن العام، وكثر التبايع وتعاطي الأسباب، وحصل الرخاء وتحسن المعاش، وأباح بيع اللحوم على تراض المتبايعين، فتنافس القصابون في اختيار الغنم والبقر التي يذبحونها.