20 الشيخ أحمد البارودي
هو الشيخ أبو العباس أحمد بن حسين بن إبراهيم البارودي تربى في حجر العز والترف، وحمل على كواهل العلوم إلى أعلى الغرف، فقرأ العلم الشريف والده ورافق أخاه شيخ الإسلام في القراءة على شيوخه، وانفرد بالقراءة على الشيخ محمد بيرم الأول فقرأ عليه قطعة من الأشموني وقطعة من الملتقى وقرأ على الشيخ محمد الشحمي شرح التهذيب للخبيصي.
ثم جلس للتدريس فأجاد بتقرير عذب، ولسان غضب، ولي الإمامة والخطبة بالجامع الجديد بعد وفاة والده في ذي القعدة الحرام سنة ست وثمانين ومائة وألف، ثم ولى تدريس المدرسة الجديدة والمدرسة العنقية. ما شئت من فصاحة لسان، وحسن بيان، وترتيل في تلاوة القرآن، وحسن رواية لأحاديث سيد ولد عدنان، يسحر الألباب بثاقب فهمه، ويرمي الأغراض فلا يخطئ صائب سهمه، وله قريحة في نظم الشعر، مع الثروة التي تنعم بها وتجمل منها بفضل العطاء والإهداء الذي استرق به الأحرار من ذوي النهي.
وله همة عالية، ومفاخر غالية، يركب الخيل بالسروج المحلاة ويلبس أفخر لباس. خرج للتداوي بحمام الأنف فأرسل إليه الوزير يوسف صاحب الطابع ألف محبوب فرد بها الرسول وقال له قل لسيدك لو أرسلت لنا مركوبا أو مملوكا لقبلناه منك هدية أما المال فإنا والحمد لله عندنا ما يكفينا فيمكنكم أن تتفضلوا به على من هو محتاج إليه. وقد راوده الأمير حمودة باشا على خطة الفتيا عدة مرات وهو يمتنع ويقسم أن لا يقبلها ويقول له إنه عنده ولله الحمد ما يغنيه عن تحمل أخطارها.
ولما توفي ابن أخيه المتقدم حلف المتقدم حلف عليه الأمير فأولاه الفتيا يوم الأحد موفى شعبان الأكرم عام 1219 تسعة عشر ومائتين وألف، فأضاف له عند ذلك خطبة باردو ودروس التجويد ودرس الجامع الباشي، فقام بإمامة باردو قياما كليا وباشرها بنفسه فزان المنبر والمحراب، وأتى في تلاوته وروايته ودرايته بالعجب العجاب، وقد هناه بتلك الولاية يومئذ شاعر البلاد وصديقه العالم الشريف الشيخ أحمد زروق بقوله:
حق الثناء لأحمدا ... ولمثله أن يحمدا
بدر العلا البارودي من ... له في العلا أقصى مدى
[الكامل]
لك في العلا شرف علا وفخار ... ومآثر شهدت بها آثار
لبست بها وبك الليالي بهجة ... حتى استوى ليل بها ونهار
وملأتها عدلا ومعرفة بدا ... للدين منها وبينك استبشار
وهدى أنرت به الشرائع فاهتدت ... فينا بصائر واجتلت أبصار
حتى لقد سعدت بك الأقطار واز ... دهرت الأعصار والأمصار
وحبتك أبكار الثناء وعونه ... فيما تطرز وشيه الأفكار
ورأتك منفرد الكمال فأقسمت ... أن لا ترى أنظارك الأنظار
تأبى المعالي ثانيا لك في العلا ... وتجل عن ذا قدرك الأقدار
ما ثاب من زمن الأعادي معشر ... مما أتيت من العلا المعشار
عجز الأفاضل عن علاك فسلموا ... لك ما أتاه لغيرك المقدار
علموا بأنك خيرهم كرما فإن ... جاروك في قصبات سبق جاروا
قصرت على علياك ألسنة الثنا ... وطوالها عما تنيل قصار
لعظمت حتى لا يوافى فضلكم ... ما كررت من مدحه الإعصار
وسمت لعزك في المعالي همة ... شماء دون سموها الأقمار
شمسا طلعت فما انجلت لك بهجة ... حتى علاها من علاك نهار
أخذت حظوظ المجد فيك حقوقها ... وازدان منك على الفخار شعار
ما لحت في أفق المعالي نيرا ... إلا ليعلم للعلوم منار