جميل عفيف ذو وقار مقرر ... عزيز كريم ذو فخار وسؤدد
جليل مهاب في القلوب معظم ... إذا ما بدا فردا على كل مفرد
فقف خاشعا واعلم بأن مصير ذا ... إلى مثل هذا المصرع المتوحد
وعظ واتعظ وانهض إلى الفوز بالتقى ... كما كان ذا بالبر والمجد يرتدي
هو العلم العلامة الفاضل لاذي ... علمت به علما به كنت أهتدي
محمد البارودي يا طيب محتد ... له، ابن حسين سيد وابن سيد
رئيس لعلم الشرع من بعد والد ... فكان بحمد الله أكرم مقتد
تصدر للإفتاء لما بدت لنا ... عوائصه قد كان أرشد مرشد
لما كان فيه من صلاح وعفة ... وذهن منير ثاقب متوقد
فكان بفضل الله فيه مثابرا ... على الحق يرويه برأي مسدد
وقد كان في فن التلاوة آية ... تحرى بها فضلا على كل محتد
بكته المعالي والمنابر مذ بدا لها ... لها نعيه: وافرقتاه لمنشد
كذاك محاريب المساجد هدمت ... ولم تر فيها بعده من مجدد
فطبت أخي حيا وميت ومبعثا ... وجوزيت بالقرآن قربا لأحمد
كذاك شقيقي قلت فيك مؤرخا ... (قبلت بقرآن جوار محمد)
18 الشيخ محمد بيرم الثاني
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن حسين بن أحمد بن محمد بن حسين بن بيرام تقدمت ترجمة والده شيخ الإسلام الأول.
وقد ولد ولده هذا في السادس عشر من ذي القعدة الحرام عام 1162 اثنين وستين ومائة وألف، واعتنى والده بتعليمه فقرأ القرآن العظيم وجوده على أعيان منهم الشيخ محمد قارة باطاق، وقرأ على الشيخ قاسم بن عاشور أيضا صغار كتب النحو إلى الشذور وشرح الشيخ في الكلام، وقرأ على الشيخ أحمد سويسي الفاكهي والألفية والتصريح، وقرأ على الشيخ الكواش القطر والفاكهي والعصام ومختصر السعد ونبذة من المطول ومختصر ابن الحاجب، وقرأ على الشيخ أحمد الثعالبي مختصر السعد والكبرى، وقرأ على الشيخ محمد الدرناوي التهذيب والوسطى ونبذة من مختصر السعد وقرأ على الشيخ محمد الشحمي دروسا من التهذيب والقطب والمطالع والكبرى. وقد تضلع من معقول العلوم ومعقولها، وحصل ما بلغ به الغاية في فروعها وأصولها، حتى صار مشارا إليه في سائر العلوم، عمدة المنطوق والمفهوم.
وقد أخذ صحيح البخاري عن والده ونظم سنده فيه بقوله: [الرجز]
سند هذا العبد في البخاري ... عن والدي صين من الأكدار
قراءة بعضه والبعض قد ... أجازني فيه بوجه معتمد
وهو روى عن شيخه المكودي ... عن الحريشي العلم المقصود
عن شيخه الفاسي عبد القادر ... عن عابد الرحمن ذي المفاخر
عم أب له عن القصار ... عن شيخه خروف النظار
عن شيخه الفخر سقين العاصمي ... عن زكريا الفذ ذي المكارم
عن حافظ الدنيا الإمام ابن حجر، ... لعسقلان الفخر إذ منها ظهر
عن التنوخي عن الحجار ... عن الزبيدي الشائع الأذكار
ذا عن أبي الوقت عن الداوودي ... عن السرخي المنهل المورود
عن الفربري عن البخاري ... دامت عليه رحمات الباري
وجلس للتدريس وعمره ثماني عشرة سنة، فقلد الرقاب من در علومه النفيس ما شئت من تدقيق وتحرير، فاق به الجهابذة النحارير، وما شئت من أدب يملأ المحاضر، ومتانة علم تخلدت آثارها في بطون الدفاتر، تحريراته في المذهب النعماني بالديار التونسية هي التي عليها اليوم العمل، وكم له في ذلك مما يبلغ به المتحري في دينه غاية الأمل، وقد كتب على شرح الشيخ قاسم لمختصر المنار الأصولي شرحا بديعا، وشرح رسالة الشيخ لطف الله الأرزويلة في الترتيب بين الفوائت، وكتب رسالة في شرح عبارة الدرر في الطير ورسالة نيل المنى في استحقاق المشترى بعد البنا، ورسالة القول الأسد في حكم الميت في الوقف من غير ولد، ورسالة تحقيق المقال في حكم المغارسة والاستنزال، ورسالة تحقيق المناط في عدم إعادة الساباط، ورسالة حسن الحط على توهم جواز الاحتجاج عندنا بالخط، ورسالة فيما يلحق من الطلاق المردف، ورسالة فيما يرجع فيه الدافع عن غيره وما لا يرجع، ورسالة الوفا بأحكام بيع الوفا، ورسالة في السفينة التي استؤجر ملاحها على تبليغ متاع لموضع معين فغرقت هل له أجر أم لا وسماها "طلوع الصباح على المتحير في أجر الملاح".