14 الشيخ حسين البارودي
هو الشيخ أبو محمد حسين بن إبراهيم البارودي بن محمد أصلهم من بلد مورة ومنها قدم إبراهيم المذكور وقد حج بيت الله الحرام وكان له أولاد ثلاثة أولهم قاره مصطفى وقد نشأ في العسكرية وبلغ إلى أن ولي ترجمانا في دريبة الدولاتلي، والثاني وكان عالما ولي إمامة الجامع اليوسفي ومشيخة المدرسة الشماعية بعد وفاة الشيخ عبد الكبير الصوفي في رجب سنة 1150 خمسين ومائة وألف، وتقدم أيضا لمشيخة المدرسة العنقية، وكان فصيحا في اللغة التركية وقد جرى الرسم في الجامع اليوسفي بترجمته الحديث الشريف بها فجرى على ذلك، ومعظم أمره عند الترك مدة الباشا لمكان علمه وفصاحته حتى أحس الباشا من إقبال الترك إليه فأرسله برسم شراء كتب من إسلامبول فأدركته الوفاة قرب ساقس فدفن بها.
وأما ثالث أبناء إبراهيم المذكور فهو صاحب الترجمة وقد ولد بتونس سنة 1110 عشر ومائة وألف. ونشأ نشأة صالحة وتصدى لقراءة العلم الشريف فقرأ على أعلام جامع الزيتونة حضر على الشيخ علي سويسي عند إقرائه شرح الباشا على التسهيل، وقرأ على الشيخ محمد الحرقافي شرح القطر لابن هشام وملا جامي في النحو، وقرأ الكتاب المذكور على الشيخ حمودة العامري خليفة جامع الزيتونة وتفقه في مذهب أبي حنيفة على الشيخين أحمد الطرودي وإمام الباشا وخطيبه الشيخ ملا باكير، وقرأ على خاتمة المفسرين الشيخ محمد زيتونة، وظهرت براعته وتصدى للتدريس بجامع الزيتونة ثم لازم بث العلم لولا ما عاقه من المحن مدة الدولة الباشية فقد انتبهوا داره وأثاثه وسجنه الباشا مدة ثم نفاه لزاغون ولما ورد خبر وفاة أخيه أرسل بإرجاعه إلى الحاضرة وأولاه إمامة الجامع اليوسفي وروايته سنة 1157 سبع وخمسين، ولم تمض عليه سنة حتى أعاده إلى النفي بزغوان، فبقي هنالك إلى أن انقضت فتنة يوسف باي فأرسل إليه وأتى به وأولاه إمامة الجامع الباشي عند عزل الشيخ يوسف القفال وأولاه رواية الجامع المذكور وتدريسه عند عزل الشيخ محمد الأرناؤوط كل ذلك أواسط رجب سنة سبع وسبعين ومائة وألف.
ولما وفد على دست الدولة ركاب الرشيد الحسيني وعزل المفتين أولى الشيخ المذكور مشيخة الإسلام وإمامة الجامع اليوسفي وأولاه خطبة جامع باردو المعمور ونقله من إمامة الجامع الباشي إلى إمامة جامع والده الجامع الحسيني والخطبة به وإن بقي له تدريس الجامع الباشي مع تدريس الجامع الحسيني وأعطاه دارا جليلة للسكنى، فساعده الإقبال ببلوغ الآمال وهنأه الشيخ الحاج حمودة بن عبد العزيز في جميع ذلك بقوله: [الوافر]
تضوع منبر تعلوه طيبا ... غداة علوت ذروته خطيبا
وتطربه فيهتز ارتياحا ... كما قد كان أملودا رطيبا
ليهنك يا إمام العصر يا من ... بحكم الله مجتهدا مصيبا
فأضحى الدين محميا مصونا ... وقدما كان قد لاقى شحوبا
وأضحى آهلا بمراح أنس ... وقبلك كان في الدنيا غريبا
ودار قد حللت بها فظلت ... لمرتا العلا ربعا خصيبا
تضم البدر لا يخشى محاقا ... وتحوي الشمس لا تبغي غروبا
قد ازدحمت بساحتها وفود ... وما أحد توهم أن يخيبا
فلاقوا منك وجها ذا ابتسام ... وصدرا ضمن التقوى رحيبا
سقاها غير مفسدها سحاب ... يحاكي جود راحتكم صبيبا
ولازالت سعودك في توال ... وقد زالت نحوس لن تؤوبا