وقد تزينت البلاد في دولة صاحب الترجمة مرتين سرورا بسلامته أحداهما حين سلم من عثار كروسته، والثانية لما نقه من مرضه، وفي كلتيهما أظهرت البلاد من مفاخرها ما لا حد له من الفرش والآلات والتحف والأكسية مما يدل على كمال علو همة أهاليها وغاية لطفهم وودهم لأميرهم.
وكان شهما هماما وقورا، عالي الهمة، محبا لأعالي الأمور، محافظا على شارات الملك، كرم النفس لطيف الأخلاق، شجاعا مهيبا، سمحا كثير العطايا، محبا لخير البلاد وأهلها، حليما، أمنت في دولته البلاد والعباد، وهو بين بنيه قرير العين جذلان الفؤاد. إلى أ، حضر أجله فصار إلى جنة المأوى ودفن بالتربة عليه رحمة الله ورثاه الشيخ محمد الخضار بقوله:
أيقظ فؤادك لات حين منام ... وأبك الرسوم بكل طرف هام
وانظر إلى الأيام ماذا أنزلت ... من شاهق لا در للأيام
أخلين من كسرى محل سريره ... وسلبن تاج الملك من بهرام
وأرعن بالحدثان كل مملك ... ونبذن بالجزعان كل إمام
أمم حدا بهم الحمام فأسرعوا ... وتبددوا كالعقد بعد نظام
وحواهم سلك الفناء كما حوى ... هذا المملك بعد عز مقام
رحل ابن محمود حسين وانطوى ... كالبرق أسرع عليه ثوب ظلام
فهوى به عيش المكارم واكتسى ... وجه الزمان عليه ثوب ظلام
إن ما تحاماه الحمام فإنه ... نمى الحماة لشوكة الإسلام
ولكان حباب الأمور مجربا ... بادي البشاشة سابغ الأنعام
خمدت بدولته الحروب وأخصبت ... فيها الذرى للناس والأنعام
يا واقفا بضريحه استغفر له ... بعد السلام عليه ألف سلام
وعليه من منن المهيمن رحمة ... موصولة تقضي له بدوام
ما قال لما اقبروه مؤرخ: ... يا قبر ألقي فيك بدر تمام
9ت المولى مصطفى باشا باي
[1201 1253] هو الأمير أبو النخبة مصطفى بن محمود بن محمد الرشيد ين حسين بن علي تركي. ولد عام واحد ومائتين وألف، وتربى في حجر اعتناء والده، ولما فوض والده وجميع مدة دولة أخيه، فكان أعرف الناس بأحوال أطراف المملكة وأحوال الأعراب وأهل المدن والقرى.
ولما توفي أخوه تقدم للملك فبايعه الناس البيعة الخاصة بمجرد وفاة أخيه في الحادي عشر من المحرم الحرام سنة إحدى وخمسين وما ئتين وألف، وبعد ذلك هرع الناس لبيعته وتهنئته. فابتدأ الأمر من حيث انتهى إليه أخوه ولم يغير شيئا على الدولة، وأعاد المجلي الشرعي للاجتماع بين يديه على عادته السابقة يوم الأحد. ووفد عليه من الدولة العثمانية نيشان أمير الأمراء، فلبسه في اليوم العاشر من شعبان سنة إحدى وخمسين ومعه سيف محلى، فهو أول من لبس النيشان المذكور في ذلك اليوم المشهوج، وهو أول يوم ضربت فيه النوبة النظامية.
واعتمد على مصطفى صاحب الطابع وصهره مصطفى آغا وجرى على سنن أخيه في الاعتناء بالعسكر النظامي وأتم بناء قشلة المركاض وحشد إليها كتائب العساكر في سنة اثنتين وخمسين وهو أول من صاغ نيشان الافتخار ونقش عليه اسمه بالألماس. وقد بني زاوية الشيخ بن مسيكة. وأحيا مسجد الطراز ورتب به قراء ومحدثين. واستناب كبير أ÷ل الشورى من العلماء المالكية الشيخ إبراهيم الرياحي في حج بيت الله الحرام. وكان برا بأخيه المقدس وبنيه الكرام مع أن له ولدين وهما أحمد باي، ومحمد الأمين باي. أما الثاني فقد توفي سنة ثلاث وتسعين، وأما الأول فكان ولي عهد والده ومع ذلك جعل ولاية الأمحال يتناولها ولده ولي عهده المذكور وأكبر أبناء أخيه مرة بعد مرة.