نعم لو أريد إنشاء تياترو «ملهى» أو «كطبتلى» (¬3) ؛ لتمثل فيه أحوال الأمم المتمدنة، مست الحاجة إلى هؤلاء لإقامة هذه الألاعيب، وإنما غرضنا الأصلي إعلان الحق وإظهار الواقع.
والآن نعتمد الشروع في بيان المفاسد التي جلبها الماديون «النيتشريون» على نظام المدنية، والمضار التي تضعضع لها بناء الهيئة الاجتماعية، وكان منشؤها فشو «ذيوع» أفكارهم. PageV02P002
الفصل الثاني
بيان المفاسد التي جلبها الماديون على نظام المدنية، ومظاهر الماديين ومقاصدهم، وما أفاده الدين من العقائد والخصال
تخالفت مظاهر الماديين في الأمم والأجيال المختلفة، فتخالفت أسماؤهم، فكانوا تارة يسمون أنفسهم بسمات الحكماء، وينتحلون «الحكيم» لقبا لأفرادهم، وأحيانا كانوا يتسمون بسيما: «دافع الظلم ورافع الجور» ، وكثيرا ما تقدموا لمسارح الأنظار تحت لباس «عراف الأسرار وكشفة الحقائق والرموز، والواصلين من كل ظاهر إلى باطنه، ومن كل بارز إلى كامنه» .
وقد كانوا يظهرون في أوقات بدعوى السعي في تطهير الأذهان من الخرافات، وتنوير العقول بحقائق المعلومات، وتارات يتمثلون في صور «محبي الفقراء، وحماة الضعفاء، وطلاب خير المساكين» ، وكثيرا ما تجرؤوا على ادعاء النبوة، ولكن لا على سنن سائر المتنبئين الكذبة.
كل ذلك توسلا لإجراء مقاصدهم، وترويج مفاسدهم... كيفما ظهر الماديون، وفي أي صورة تمثلوا، وبين أي قوم نجموا، كانوا صدمة شديدة على بناء قومهم، وصاعقة مجتاحة لثمار أممهم، وصدعا متفاقما في بنية جيلهم، يميتون القلوب الحية بأقوالهم، وينفثون السم في الأرواح بآرائهم، ويزعزعون راسخ النظام بمساعيهم، فما رزئت بهم أمة، ولا مني بشرهم جيل، إلا انتكث فتله، وسقط عرشه، وتبددت آحاد الأمة، وفقدت قوام وجودها..
كان الإنسان ظلوما جهولا، وخلق الإنسان هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا... جبل الإنسان على الحرص، وكأنه منهوم لشرب الدماء، لم يحرم الإنسان من لطف مبدعه، فكما أبدعه ألزم الدين وجوده، فتمسك الناس منه بأصول، وانطبعوا به على خصال، توارثها الأبناء عن الآباء في قرون بعد قرون. ومهما غيروا وبدلوا كانت بقايا ما ورثوه لا تزال تشرق على عقولهم بأنوار من المعرفة، يهتدون بها إلى سعادتهم ويقيمون في ضوئها أساس مدنيتهم، ولم يبطل أثرها في تعديل أخلاقهم، وكف أيديهم PageV02P003 عن التطاول إلى الشرور والمفاسد، وبهذا كان للأقدمين من أهل القرون الأولى، ما كان لهم من نوع الثبات والبقاء.
وطائفة النيتشرية كلما ظهرت في أمة سعت في قلع تلك الأصول، وإفساد تلك الخصال، حتى إذا لمع لها بارق من النجاح، وهت أركان الامة، وانهارت إلى هوان الاضمحلال والعدم. وهذه الطائفة هي الآن - كما كانت - تسلك منهج أسلافها الأولين، وإنا نوضح ذلك بمجمل من البيان.