179 - عبد الوهاب بن أحمد بن جلبة، البغدادي، ثم الحراني
.
سمع الحديث من البرقاني، واستوطن حران، وتولى بها القضاء، وكان واعظا فصيحا.
ذكر أبو العباس بن تيمية في أول "شرح العدة": أن ابن جلبة كان يختار استحباب مسح الأذنين بماء جديد بعد مسحهما بماء الرأس، وكان غريبا جدا. وذكر ابن حمدان عنه: أنه قال: الحق أن الحروف كلها قديمة، وتركيبها في غير القرآن محدث، إن قلنا: إن اللغة اصطلاح، وإن قلنا: توقيف، فقديمة. PageV01P174
180 - عبد الله بن محمد بن أحمد، الهروي، الأنصاري، الحافظ، الصوفي، الواعظ، شيخ الإسلام أبو إسماعيل
.
ولد في شعبان سنة 396، سمع الحديث بهراة، وصحب الشيوخ، وتأدب بهم، وأملى الحديث سنين، وصنف التصانيف، منها: كتاب "ذم الكلام"، وكتاب "منازل السائرين"، و"تفسير القرآن" بالفارسية. وكان ذا أحوال وكرامات ومجاهدات، شديد القيام في نصر السنة والذب عنها، والقمع لمن خالفها، وجرى له بسبب ذلك محن عظيمة.
وكان شديد الانتصار والتعظيم لمذهب الإمام أحمد، يقول: مذهب أحمد أحمد مذهب. وأنشد على المنبر بهراة في يوم مجلسه:
أنا حنبلي ما حييت وإن أمت ... فوصيتي للناس أن يتحنبلوا
وقال: عرضت على السيف خمس مرات، لا يقال لي: ارجع عن مذهبك، لكن يقال لي: اسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت. واجتمع أئمة الفريقين من أصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة، وطلبوا المناظرة معا، فقال: أناظر على ما في كمي، فقالوا: وما في كمك؟ قال: كتاب الله - وأشار إلى كمه اليمين -، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأشار إلى كمه اليسار -، وكان فيه الصحيحان، فنظر السلطان إلى القوم كالمستفهم لهم، فلم يكن فيهم من يمكنه أن يناظره من هذا الطريق.
قال ابن رجب: وكان شيخ الإسلام الهروي مشهورا في الآفاق بالحنبلية، والشدة في السنة؛ وكان آية في التفسير، وحفظ الحديث، ومعرفة اللغة والأدب، وخلع على الشيخ من جهة الإمام القائم بأمر الله خلعة شريفة، وأخرى فاخرة من جهة الإمام المقتدي بالله مع الخطاب واللقب بشيخ الإسلام "شيخ الشيوخ زين العلماء"، وخلعة أخرى لابنه عبد الهادي، وكان السبب في هذا الخلع الوزير نظام الملك شفقة منه على أصحاب الحديث، وصيانة عن لحوق شين بهم. PageV01P175
وكان يقول: "ما صح في رجب وفي صيامه شيء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال: كتاب أبي عيسى الترمذي عندنا أفيد من كتاب البخاري، ومسلم، قيل: ولم ذلك؟ قال: لأن كتابيهما لا يصل إلى الفائدة منهما إلا من يكون من أهل المعرفة التامة، وهذا الكتاب قد شرح حديثه، وبينهما، فيصل إلى فائدته كل أحد من الناس؛ من الفقهاء والمحدثين وغيرهما، وقال: المحدث يجب أن يكون سريع المشي، سريع الكتابة، سريع القراءة. وقال ابن طاهر: سألته عن الحاكم - يعني: صاحب "المستدرك" -، فقال: ثقة في الحديث، رافضي خبيث، قال المؤتمن الساجي: كان يدخل عليه الجبابرة والأمراء، فما كان يبالي بهم، ويرى بعض أصحاب الحديث من الغرباء، فيكرمه إكراما يتعجب منه الخاص والعام، وكان يقول: إلهي! عصمة أو مغفرة، فقد ضاقت بنا طريق المعذرة، وقد أثنى عليه شيوخه وأقرانه، ومن دونه من الفقهاء والمحدثين والصوفية والأدباء، ولما أخرج من هراة، ووصل إلى مرو، قصده البغوي صاحب "التفسير"، فلما حضر عنده، قال لشيخ الإسلام: إن الله قد جمع لك الفضائل كلها، وكانت بقيت فضيلة واحدة، فأراد أن يكملها لك، وهي الإخراج من الوطن أسوة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -.