عباراتنا شتى وحسنك واحد ... وكل إلى ذاك الجمال يشير
ولله در أستاذ عطر الوجود، فيض وجوده، واستمدت الكائنات من بحر فضله وجوده، حيث حقق هذا المعنى، وسبكه في أحسن مبنى، بقوله:
فكم بين حذاق الجدال تنازع ... وما بين عشاق الجمال تنازع
هذا هو الحسن العام، وقد اختلفت آراء الحذاق، وتشعبت مرادات العشاق، فمن ذاهب إلى الأفضل خزن الأسرار، وأن ذلك من فعل الأحرار. ومن قائل: إن إفشاءها يسر القلب، ويسري الكرب. ومن قائل بالتفصيل، وأن الإذاعة إلى المحبوب مطلوبة إذ هو الطبيب، وكتم العلة عنه تعذيب، وأما الإباحة لغيره فغير جائزة في مذهب المحبين، وفاعلها ممقوت ومن أكبر المذنبين، وهذا الطريق قد ادعى في "ديوان الصبابة" أنه الكاشف عن وجهه نقابه! ولا والله ما له فيه ذرة، ولم يكن ارتضع من هذا اللقح درة، بل أول من استنتج هذه الآراء المحررة، ودون هذه المذاهب المحبرة عمر بن الفارض رحمه الله، ثم لهج الناس بهذه الطرق.
والاحتيال على طيف الخيال أمر مهم عند أهل الغرام، يتوصل إليه بالمنام، وإنما تدعو الحاجة إليه عند طول الهجر وشدة الضجر، ومقاساة نار الملل والسهر، ومنهم من ذم النوم في قالب الاعتذار عن طيف الخيال، كأنه يقول: إن المنغصات في الدنيا لا تنفك عن الإنسان حتى في النوم، ألا ترى أن من يحلم بمحبوبه، أو شيء من مطلوبه، ينتبه فلا يرى إلا الأسف والقلق، وزيادة الحرق، وإن حلم أنه أحدث أو ضرب رأى ذلك في الصباح! ولما كان خيال المحبوب من التلذذات، لم يأت النوم به جريا على عوائد الزمان في الإتيان بغير الملائم للإنسان.
فصل في أحوال العشاق
وقد مضت أمثلتها في فصل أقسام العشاق، فهذا الفصل كالذيل له يفيد بعض فوائد جديدة، منها أحكام الليل والنهار، وذم قصرهما عند الوصل، وطولهما عند الهجر والنفار، وتمني طول زمن الوصل والرضا، وقصر الهجر وقطعه أسرع من القضا، وما تشعب في ذلك بين العشاق، وذهبوا كل مذهب على اختلاف الأذواق، وإنما أكثروا من ذكر الليل دون غيره لأنه محل سكون الحواس، وهدوء الأنفاس، وخلو النفس بعد انطباق مسالك التشعبات عنها،
فتستجلب الأفكار الخفيات، فيما مضى وما هو آت، وقلة الاعتلاق، ومحل التسلية عن الأشواق، اللهم إلا شخصا قد ملك الحب قياده، فلا يلهيه شيء ولا ينسيه مراده. ثم اشتهر على ألسنتهم من لوم العذول، وسوء عقله الذي أوقعه في الفضول، وكيف أدخل نفسه بين الأحباب، حتى انتقم منه أهل الآداب، فوجهوا إليه سنان اللسان والأقلام، فامتحن طعنا بكل نثر ونظام، فقد قيل: ليس من العدل، كثرة العذل، ومن تكلم بما لا يعنيه، سمع ما لا يرضيه. ومن لم يمسك عما استغنى عنه ن الكلام، فهو أحق بالملام. ثم أحكام الزيارة، وما جاء في فضلها من اليراعة والعبارة، وتفنن العشاق في فضل زيارة الحبيب، وإيثار النفس على نفائس الطيب. قيل: كان الشافعي رحمه الله يكثر من زيارة أحمد، وكان أحمد يقل من زيارته هيبة له. فقيل للشافعي: إنك لتزوره أكثر وهو المحتاج إليك! فأنشد:
قالوا يزورك أحمد وتزوره ... قلت الفضائل لا تفارق منزله
إن زارني فبفضله أو زرته ... فلفضله فالفضل في الحالتين له
وجعل عمر بن الفارض الزيارة تفضلا من المحبوب، ومنة منه على المحب، فسبحان واهب الفضل لمن أحسن في خدمته، وقام بحقوق محبته، وطيب الحبيب، غاية لا يدركها اللبيب، وذلك قوله: