(مقدمة المؤلف)
الحمد لله الذي أشرق أنوار نبراس النبوة المحمدية في سماء قلوب العارفين وأبدر، وحفظ بروق سطوع سنائها من الأفول، فلا يضرها طرو الحلك إذا أعكر.
أحمده سبحانه وتعالى على نعمه التي شملت فبهرت وعمت، فلا تحصى ولا تحصر.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة صادرة عن صحيح اليقين يدخرها هذا العبد الضعيف ليوم المحشر.
وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، الذي حذر عن الشاذ والمنكر.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اقتفى آثارهم فضبط مسالك الشريعة وحرر، ما اتصل المقطوع وارتفع الموضوع وحسن الأمر وتيسر، وانفصل وتلاشى كل ما تعسر، أما بعد.
فيقول راجي عفو مولاه الغفار، محمد بن خليل القاوقجي غفر الله له الذنوب والأوزار، وأهطل عليه وعلى أحبابه سحب جوده المدرار: هذه نبذة مما لهجت به العامة في كثير من الأقطار، واشتهرت أنها أحاديث رسول الله الصادق المختار، وهي من وضع الزنادقة ودسائس الفجار، وقد صح
عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ". وهذا الحديث رواه أكثر من مائة من الصحابة الأخيار، وجمعه بعض العلماء بألفاظ متقاربة وطرق رفيعة المنار، وأجمعوا على أن الكذب على
رسول الله من أكبر الذنوب وأشد الأوزار، بل صرح الجويني من الشافعية وابن المنير من المالكية وغيرهما من العلماء الكبار، أن الكاذب على رسول الله يخرج عن الملة ويكون من الكفار. وقواه علي قاري من الحنفية بحديث: " إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار "، وبأمره صلى الله عليه وسلم بقتل من كذب عليه وإحراقه بعد موته
في النار.
وصرحوا بحرمة رواية الموضوع على من عرف كونه موضوعا أو غلب على ظنه وضعه، ولو في الترغيب والإنذار، إلا في مقام التبيين والإظهار. ولا يقال: قال رسول الله بصفة الجزم إلا أن يكون الحديث صحيحا ظاهرا كالشمس في رابعة النهار.
قال الدارقطني: توعد عليه السلام بالنار من كذب عليه، بعد أمره التبليغ عنه، ففي ذلك دليل على أنه إنما أمره أن يبلغ عنه الصحيح دون السقيم، والحق دون الباطل، لا أن يبلغ عنه جميع ما روى، لأنه عليه السلام قال: " كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع " فمن روى حديثا وهو شاك فيه أصحيح أو غير صحيح، يكون كأحد الكاذبين، لحديث علي عند ابن ماجة مرفوعا " من روى عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ".
يروى بصيغة الجمع والتثنية ولم يقل: وهو يتيقن أنه كذب.
وقال الحافظ زين الدين العراقي: القصاص ينقلون حديثه عليه السلام من غير معرفة بالصحيح والسقيم.
قال: وإن اتفق أنه نقل حديثا صحيحا، كان آثما في ذلك لأنه ينقل ما لا علم له به، وإن صادف الواقع كان آثما بإقدامه على ما لا يعلم.
قال: وأيضا فلا يحل لأحد ممن هو بهذا الوصف أن ينقل حديثا من الكتب ولو من الصحيحين، ما لم يقرأه على من يعلم ذلك من أهل الحديث.
وكان بعض المحتاطين من أولي التحقيق والعرفان إذا روى حديثا قال: شبه هذا وقريبا منه، أو معناه، ونحو ذلك خوفا من السهو والنسيان، في الزيادة والنقصان.
ولما رأيت هذا الأمر العظيم الشديد، واستحقاق هذا الوعيد، ووقفت على كتب جماعة من الحفاظ، جمعوا فيها ما دار على الألسنة من الأحاديث والألفاظ، وبينوا الصحيح والحسن والمرفوع، وميزوا بالمقاصد الحسنة الضعيف والموقوف والشاذ والموضوع، وضعت هذا اللؤلؤ المرصوع، مختصرا فيه على ما قيل: لا أصل له أو بأصله موضوع، ورتبته على حروف المعجم تسهيلا وسببا للضبط على أحسن مصنوع.