فقال: بين لنا نظيره.
فقلت: نظيره شرب الخمر فيه الحد، وشرب البول ليس فيه الحد: أي العقوبة المقدرة، ولا يلزم من ذلك أن يكون مباحا، أو خفيفا إثما بل هو أشد إثما.
ثم عند الحنفية، وإن سقط الحد في هذه المسألة أي حد الزنا وهو الرجم والجلد، لكن يجب فيه على الإمام التعزير حتى القتل سياسة، فهم وإن أسقطوا الحد أخذا بقاعدة: الحدود تندرء بالشبهات، لكنهم أوجبوا ما هو أشد من ذلك.
فأي طعن عليهم.
فبعد تطويل الكلام وتقرير المرام، بهت ذلك الشيعي وتحير ونال أهل السنة لواء الفتح والظفر. PageV01P011
ثم بلغني من بلاد متفرقة أن العوام بالغوا في الطعن بهذه المسألة، وشدوا الرحال للحكم بالتفسيق والإضلال، وطلب مني بعض الأحباب أن أكتب في هذا الباب رسالة وافية بتحقيق المراد، كافية لاختيار السداد، أذكر فيها الأحاديث الواردة في هذه المسألة، وأفصل مذاهب الأئمة وفقهاء الأمة، وأبسط فيها مذهب الحنفية، وأشيد أركان الملة الحنيفية، وأدفع ما طعن به الجاهلون الخامدون على ذي المناقب الشريفة الإمام أبي حنيفة الذي قال عبد الله بن المبارك(1) في حقه على ما هو المشهور، وقوله قول منصور:
لقد زان البلاد ومن عليها
إمام المسلمين أبو حنيفة
بأحكام وآثار وفقه
كآيات الزبور على صحيفة
فما في المشرقين له نظير
ولا في المغربين ولا بكوفة
يبيت مشمرا سهر الليالي
وصام نهاره من خيفة
فمن كأبي حنيفة في علاه
إمام للخليقة والخليفة
رأيت العائبين له سفاها
خلاف الحق مع حجج ضعيفة
وكيف يحل أن يؤذى فقيه
له في الأرض آثار شريفة
وقد قال ابن إدريس(2) مقالا
صحيح النقل في حكم لطيفة
بأن الناس في فقه عيال
على فقه الإمام أبي حنيفة PageV01P012 فلعنة(1) ربنا أعداد رمل
على من رد قول أبي حنيفة(2)
فأجبت إلى ملتمسهم، وشرعت في انجاح مقترحهم مسميا الرسالة ب:
((القول الجازم في سقوط الحد بنكاح المحارم))
سالكا فيه مسلك الإنصاف، باعدا عن طريق الاعتساف، جعله الله نافعا، وحكما مصلحا عند تنازع عباده، وباعثا لمغفرة مؤلفه ولنجاته.
ولنذكر أولا نبذا من الأحاديث الواردة في هذا الباب، ثم نعقبه بذكر المذاهب فيه، وإحقاق الصواب مرتبا على إفادات مشتملة على مهمات.
* * *
- الأولى -