متن الكتاب PageV01P082 # بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده صلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما، اللهم الإعانة اللهم الإعانة؛
يقول العبد الفقير إلى الله تعالى المالكي الأشعري محمد بن محمد سالم بن محمد سعيد بن محمد بن عمر بن أبي السيد بن أبي بكر بن علي بن يمغدش بن وديعة الله بن عبد الله بن أحمد بن يفت بن يدر بن إبراهيم المجلسي العلوي الفاطمي الحسني الإدريسي وإبراهيم هذا يقال- والله أعلم- إنه من ولد عمر بن عبد العزيز، وإنما عرفت بنفسي لقول القائل:
ومن كتب الكتاب لم يذكر اسمه ... كبنت لها أم وليس لها أب:
الحمد لله رب العالمين، قيوم السماوات والأرضين، مفصل الآيات لقوم يفقهون، ما هو بإله استحدثناه، ولا برب ابتدعناه، بل هو معبود بالحق عبدناه، نعم قلوب أوليائه بحبه فلهم إليه شوق وحنين، وتململوا من هول المطلع فلهم زفير وأنين، وأبعد المحروم بلا علة فهو بدين الحرمان يدين وشغل الجهول أيام عمره وأعماه عن الحق المبين، وطبع على قلوبهم فطردهم عن بابه وجعلهم مبعدين، كل ميسر إلى ما سبق في علمه، ومقود إليه بزمام قهره وحكمه، فنعم المقربين بالمسامرة وأظهر لهم من سره الأمر العجيب، وفجر من قلوبهم ينابيع الحكمة فنبع من العرفان كل معنى غريب، عزيز جلت صفاته، ملك لا تحصى مقدوراته، ولا تتناهى كمالاته ومعلوماته، محيط بما تحت تخوم الأرضين إلى أعلى السماوات، وبغير ذلك من جميع المعلومات والكائنات، لا تدركه الأوهام، ولا تحيط به الأفهام، أحمده حمد من علم أن لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، وأشكره شكر من تحقق أن خير الدنيا والآخرة بيديه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده المطهر، وحبيبه السراج الأنور، ورسوله وباب حضرته الأكبر؛ شهادة أعدها لأهوال القيامة، وأتقي بها الحسرة والندامة، يوم يبعثون، {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون}، وأصلي وأسلم على من أوتي جوامع الكلم واختصر له اختصارا سيدنا محمد الذي أمر بإعلاء كلمة الحق وخفض كلمة البهتان PageV01P083 # فتقلد سيف النصر وصدع بما أمر به جهارا، من تفجر بمولدد بحور الرغبوت، وضحكت بجماله الزاهر ثغور الرحموت، مطلع شموس التجليات الاجتبائية، ومغرس أغصان التدليات الاصطفائية، من تدفقت من بحار كماله جداور الأنوار، وتفتقت من بهجته مونقات الأزهار، وتبرقعت بجماله عوالم الملكوت، وترعرعت في رياض بهجته أطفال أسرار الجبروت. وحيعل بجامع العز والحبور، وأوضح بالقول والفعل سبيلا للأمن والسرور: وهو الطريق الأقوم: الذي لسالكه الفوز والمغنم، من حاد عنه انتكس وارتدى، وعمهوا في ضلالتهم ولن يهتدوا إذا أبدا.
أما بعد فإن الاشتغال بالعلم من أفضل ما يتقرب به إلى الله تعالى، لكون معرفة الله تعالى وعبادته يتوقفان عليه، والخير منوط بهما والشر منوط بعدمهما، وحينئذ فأهم ما يشتغل به الإنسان ما يرشده إلى تحقيق ذلك ويوصله إليه، فعلى العاقل أن يجتهد بعد معرفة الله تعالى فيما يعلم به كيفية العبادة.
والعبادة هي: امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وعلم الفقه هو الكفيل ببيان الأوامر والنواهي على أتم الوجود وأكملها، وجدير بذلك مذهب إمام الأئمة مولانا مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه. فقد أجاد في ذلك كل الإجادة، مع كثرة الجدوى وحسن الإفادة، بين الحلال والحرام والمسنون والمندوب والمكروه والمباح من الأحكام، فجزاه الله بأحسن الجزاء عن أهل الملة الإسلامية. وخصوصا عنا معاشر المغاربة فقد أفاض علينا من مواهبه الربانية، وأسبغ علينا من تحفه الإحسانية، ومن أعظم ما صنف فيه مختصر السيد الأجل، والحبر البارع الأحفل، مولانا أبي المودة خليل، فكم كشف عن معضلات وأبرد الغليل، بين ما به الفتوى ت وما هو الراجح الأقوى، مع كثرة الجمع والإيجاز العجيب، وحسن اللفظ وفخامته وتناسب المعنى الغريب، غير أنه لفرط الإيجاز، كاد يعد من جملة الألغاز، وقد اعتنى بحل ألفاظه الجهابذة النقاد، من كل حبر بارع أجاد وأفاد، فشرحوا وأجادوا، ونقحوا وأفادوا، ومنهم من حلى بعض الشروح بأبدع من در النحور، ولآلئ تتلهب مثل الشموس والبدور.