عليك في البحث أن تبدي غوامضه ... وما عليك إذا لم تفهم البقر
قال ابن القيم رحمه الله تعالى بعد أن ذكر كلام الزنادقة المكذبين للنصوص الواردة في عذاب القبر قال: الأمر الثاني أن يفهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم مراده من غير غلو ولا تقصير، فلا يحمل كلامه إلا على ما يحتمله، ولا يقصر به عن مراده وما قصده من الهدى والتبيان.
قال رحمه الله: فقد حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب وما لا يعلمه إلا الله، بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام، بل هو أصل كل خطأ في الأصول والفروع، ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد، فيتفق سوء الفهم في بعض الأشياء من المتبوع مع حسن قصده وسوء القصد من التابع، فيا محنة الدين وأهله. والله المستعان. وهل أوقع القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة والجهمية والرافضة وسائر طوائف أهل البدع إلا سوء الفهم عن الله ورسوله حتى صار الدين بأيدي أكثر الناس هو موجب هذه الأفهام، والذي فهمه الصحابة ومن تبعهم عن الله ورسوله فمهجور ولا يلتفت إليه، ولا يرفع به هؤلاء رأسا، ولكثرة هذه القاعدة تركناها، فإنا لو ذكرناها لزدات على عشرات ألوف؛ حتى إنك لتمر على الكتاب من أوله إلى آخره فلا تجد صاحبه فهم عن الله ورسوله مرادا كما ينبغي في موضع واحد، وهذا إنما يعرفه من عرف ما عند الناس، وعرضه على ما جاء به الرسول. وأما من عكس الأمر فيعرض ما جاء به الرسول على ما اعتقده وانتحله وقلد فيه من أحسن
الظن به؛ فليس يجدي الكلام معه شيئا، فدعه وما اختار لنفسه ووله ما تولى؛ واحمد إلهك الذي عافاك مما ابتلاه به. انتهى.
وما أحسن ما قال في الكافية:
فلقد نجا أهل الحديث المح ... ض أتباع الرسول وتابعوالقرآن
عرفوا الذي قد قال مع علم بما ... قال الرسول فهم أولو العرفان
مدوا يدا نحو العلى بتكلف ... وتخلف وتكبر وتوان
أترى ينالوها؛ وهذا شأنهم؟ ... حاشا العلاء من الزبون الفاني