وقد جاء في فضل بعض أهل نجد، كتميم، ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: "أحب تميما لثلاث سمعتهن من النبي صلى الله عليه وسلم، قوله لما جاءت صدقاتهم: هذه صدقات قومي، وقوله في الجارية التميمية: اعتقها فإنها من ولد إسماعيل، وقوله: هم أشد أمتي على الدجال" هذا في المناقب الخاصة.
وأما العامة للعرب فلا شك في عمومها لأهل نجد؛ لأنهم من صميم العرب، وما ورد في تفضيل القبائل والشعوب أدل وأصرح في الفضيلة مما ورد في البقاع والأماكن في الدلالة على فضل الساكن والقاطن.
ومعلوم أن رؤساء عباد القبور الداعين إلى دعائها وعبادتها لهم حظ وافر مما يأتي به الدجال، وقد تصدى رجال من تميم وأهل نجد للرد على دجاجلة عباد القبور والدعاة إلى تعظيمها مع الله، وهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم إن قلنا إن "أل" في الدجال للجنس لا للعهد. وإن قلنا إنها للعهد كما هو الظاهر فالرد على جنس الدجال توطئة وتمهيد لجهاده ورد باطله. فتأمله فإنه نفيس جدا.
ثم لو تكلم غير العراقي بمثل هذا لكان أسهل، وأما هو فبلاده معدن كل محنة وبلية، ولم يزل أهل الإسلام منها في رزية بعد رزية، فأهل حروراء ما جرى منهم على أهل الإسلام لا يخفى، وفتنة الجهمية الذين أخرجهم كثير من السلف من الإسلام إنما خرجت ونبغت بالعراق، والمعتزلة وما قالوه للحسن البصري وتواتر النقل به واشتهر من أصولهم الخمسة التي خالفوا بها أهل السنة من العراق، والمبتدعة الصوفية الذين يرون الفناء في توحيد الربوبية غاية يسقط بها الأمر والنهي إنما نبغوا وظهروا بالبصرة. ثم الرافضة والشيعة وما حصل منهم من الغلو في أهل البيت والقول الشنيع في علي والأئمة ومسبة أكابر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كل هذا معروف مستفيض عن أهل العراق، أفلا يستحي أهل هذه العظائم من عيب أهل الإسلام ولمزهم بوجود مسيلمة في بلادهم؟ وقد روى الطبراني من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دخل إبليس العراق فقضى فيها حاجته، ثم دخل الشام فطردوه، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ وبسط عبقرية" والعراق قبل الإسلام هي محل المجوس عباد النيران والبقر.
فإن قيل: طهرت بالفتح والإسلام، فما بال اليمامة لا تطهر بما أظهر الله فيها من الإسلام وشعائره العظام، وجهاد أعداء الله ورسوله؟.
وأما حديث: "اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا" الخ".
فجوابه: إن المراد بالشرق ونجد في هذا الحديث وأمثاله: هو العراق الذي يحاذي المدينة من جهة المشرق. يوضحه: أن في بعض طرق هذا الحديث: "وأشار إلى العراق". قال الخطابي: نجد من جهة المشرق ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها فهي مشرق أهل المدينة. وأصل النجد: ما ارتفع من الأرض, وهو خلاف الغور فإنه ما انخفض منها. وقال الداودي: إن نجدا من ناحية العراق: ذكر هذا الحافظ ابن حجر في فتح الباري.
ويشهد له ما في مسلم عن ابن غزوان: سمعت سالم بن عبد الله
يقول: سمعت ابن عمر يقول: "يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الفتنة تجئ من هاهنا، وأومأ بيده إلى المشرق".
فظهر أن هذا الحديث خاص بأهل العراق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فسر المراد بالإشارة الحسية. وقد جاء صريحا في الكبير للطبراني النص على أنها العراق. وقول ابن عمر وأهل اللغة وشهادة الحال كل هذا يعين المراد.