الإتحاف فى الرد على الصحاف
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين (1)
الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله, أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا, وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا.
أما بعد:
فإن بعض الإخوان, ناولني كراسة أنشأها عبد اللطيف ابن عبد المحسن الصحاف, فيها تعرض لعيب الموحدين, وذم لما هم عليه من الملة والدين, ومدح (2) لبعض شيوخه المارقين, وأنهم من جلة العلماء العاملين، الذين لهم لسان صدق في الآخرين، وفيها غير ذلك مما هو مستبين للواقفين عليها والناظرين.
وقد طلب مني من ناولنيها, أن أكتب شيئا في بيان ما تضمنته من الأباطيل, مع الاختصار وترك البسط والتطويل، إلا لإيراد حجة أو كشف دليل, ونسأل (3) الله الإعانة على ذلك, والهداية إلى ما هنالك. PageV01P021
فأما المقدمة التي قدمها الصحاف أمام مقصوده, وجعلها طالعة نثره وعقوده: ففيها من الدلالة على جهله وقصوره، ما يعرف بأول نظر في جمعه ومسطوره"
من ذلك: أنه يصف بالعلم من ليس من أهله, ويكذب على المعصوم في عزوه ونقله, يحتج في فضل العلم بالضعيف والموضوع (1) , لجهله بما صح من المرسل والمرفوع, ليست له ملكة في نقد الثابت من الموضوع (2) , يتأول كل حاذق فقيه, عند سماع خلطه وما يبديه، حديث عبد الله بن عمرو في قبض العلم (3) , ورياسة الغمر, وكلامه من أظهر الأدلة / على ما قلناه, عند كل من وقف عليه من أهل الفقه عن الله, فلذلك اكتفينا بالإشارة, عن بسط القول والعبارة.
فأما قوله في المقدمة التي مدح بها أشياخه المذكورين في رسالته: (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل) (4) . PageV01P022
وقوله: (نظرك إلى وجه العالم خير لك من ألف فرس تتصدق بها (1) في سبيل الله, وسلامك على العالم خير لك من عبادة ألف سنة) (2) .
كذلك قوله: (إن العالم أو المتعلم (3) إذا مر على قرية، فإن الله يرفع العذاب عن مقبرة تلك القرية أربعين صباحا) (4) .
وقوله: (إن الله يغفر للعالم أربعين ذنبا قبل أن يغفر للجاهل) .
فهذه الآثار ونحوها, ليست بشيء عند أهل العلم بالحديث, ولا يحتج بها ويعول عليها من له أدنى تمييز أو ممارسة (5) , وإنما يلتفت إليها ويحكيها, أهل الجهالة والسفاهة, من القصاصين والكذابين.
وأما أهل العلم والدين: فبمجرد النظر إليها, والوقوف عليها, يعرفون أنها من الأخبار الموضوعة المكذوبة, التي لا تروج إلى على سفهاء الأحلام, وأشباه الأنعام. PageV01P023
وقد ورد في فضل العلم والعلماء من الآيات القرآنية, والأحاديث النبوية, ما ينيف (1) على مائة وخمسين دليلا, كما قرره صاحب "مفتاح دار السعادة", وقد مر صلى الله عليه وسلم في رهط من أصحابه, وهم سادات العلماء والمتعلمين على قبرين يعذبان, فشق جريدة ووضعها عليهما, وقال: "لعله أن (2) يخفف عنهما ما لم ييبسا" (3) ولم يقل لمروري ومرور أصحابي عليهما يخفف عنهما, كما زعمه هذا الجاهل.
وكأي من قرية عذبت, وأتاها أمر الله بغتة, وأنبياؤهم وعلماؤهم قبل ذلك يدعونهم, وهم ينظرون إلى وجوههم, ويخاطبونهم, ويسمعون كلامهم, فما أغنى عنهم ذلك إذ لم يؤمنوا بآيات الله, وأصابهم من العذاب ما أصابهم (4) .