[النبي الأمى - وتفصيل القول في أميته - صلى الله عليه وسلم -]:
وكان صلوات الله وسلامه عليه أميا، لكن لا بالمعنى الشرعى، بل بمعناه اللغوى، وهو الذي لايكتب ولا يقرأ المكتوب، كما في نص الآية الشريفة المتقدمة: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} [الجمعة: 2] وكما فى آية العنكبوت {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك} [العنكبوت: 48]، وكما في حديث البخاري (1) "نحن أمة أمية لانكتب ولانحسب" (2).
وكان ذلك له معجزة وكمالا في حقه، وإن كان نقصا في حق غيره كما قال البوصيرى (3) رحمه الله في (البردة) (4):
كفاك بالعلم في الأمى معجزة ... في الجاهلية والتأديب في اليتم PageV01P059
<div dir="rtl" id="book-container">
وأما ما رواه البخاري من أنه عليه السلام في عمرة القضية التي يقال لها "غزوة الحديبية" أخذ الكتاب ليكتب، فكتب: فقد أولوه بأن المراد أنه أمر كاتبه يومئذ -وهو سيدنا على- أن يمحو ما كتبه أولا في صحيفة المصالحة والمشارطة بينه وبين أهل مكة من قوله فيها: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله"، لأنهم لما سمعوا هذه الكلمة لم يرتضوها، وقالوا: لو علمنا أنك رسول الله ما منعناك من دخول مكة ولتابعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك محمد بن عبد الله. فقال لسيدنا على رضي الله عنه: "امح رسول الله"، فقال على: والله لا أمحوك أبدا. وتعاصت الصحابة- أنصارا ومهاجرين- عن محوها، فقال - صلى الله عليه وسلم - لعلى: "فأرنيه"، فأراه إياه، فمحاه بيده الكريمة، ثم امتثل أمره سيدنا على، وكتب كما أمره (1).
فالمراد يكون الرسول "كتب" في لفظ الحديث: أنه أمر كاتبه. ونظيره قوله تعالى: {سنكتب ما قالوا} [آل عمران: 181] أي: نأمر الكتبة على بعض التفاسير.
وقد ورد في الأحاديث أنه عليه السلام كتب إلى الملوك كسرى وقيصر وغيرهم (2)، وكذا قولهم "نسخ عثمان المصاحف وأرسلها إلى البلاد"، فالمعنى أمر بذلك.
وقد صمم الإمام أبو الوليد الباجى الأندلسى (3) على الأخذ بظاهر الحديث، وأن الله أطلق يده عليه السلام بالكتابة في تلك الساعة معجزة له، فقام عليه PageV01P060
<div dir="rtl" id="book-container">
علماء عصره بالأندلس، وشنعوا عليه، وطلبوه عند أميرهم، فجمعهم وإياه، واحتجوا عليه بأنه قد خالف نص الآية الكريمة، وهي: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك} [العنكبوت: 48]، فاستظهر عليهم بأن هذا النفى مقيد بما قبل ورود القرآن، وأما بعد أن تحققت أميته وتقررت بذلك معجزته فلا مانع أن يعرف الكتاب من غير معلم، ويكون ذلك معجزة أخرى له، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا .. إلى آخر ما قاله مما هو مذكور في (المواهب) (1).
لكن الأصح خلافه؛ إذ لو كان كما قال لنقل وتواتر، لأن هذا مما تتوفر الدواعى على نقله، وإن وافقه على ذلك شيخه أبو ذر الهروى (2) والنيسابورى وجماعة من علماء إفريقية (3)، محتجين بما ورد أنه "ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - PageV01P061
<div dir="rtl" id="book-container">
حتى كتب وقرأ" (1)، وقد روى عن جعفر الصادق (2) رضي الله عنه أنه قال: "كان يقرأ من الكتب وإن كان لا يكتب"، كذا رواه أبو البقاء الكفوى في (الكليات) (3).
أقول: لعله أخذه من قوله تعالى: {رسول من الله يتلو صحفا مطهرة} [البينة: 2] فإن كان مأخذه من هذا فقد أشار القاضى البيضاوى (4) إلى الجواب عنه بقوله: "والرسول وإن كان أميا- لكنه لما تلا مثل ما في الصحف كان كالتالى لها" (5).