بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم
$ 1- باب " حق الله على العباد وحق العباد على الله "
وقول الله تعالى: {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} 1.
وقوله: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} 2 الآية.
()
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن يا كريم
{بسم الله الرحمن الرحيم} الكلام على البسملة بين مذكور في الشرح، والبداءة بها سنة، كما فعل البخاري وغيره من العلماء اتباعا للسنة في مراسلات النبي صلي الله عليه وسلم للملوك وغيرهم، وفي الأمر بالبداءة بها حديث معروف3. "كتاب التوحيد"المراد بالتوحيد توحيد العبادة، وكل رسول يفتتح دعوته لقومه بهذا التوحيد: {أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} 4 كما في سورة الأعراف وهود وغيرهما. وقول الله تعالى: {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} 5 دلت الآية على أن الله تعالى خلق الخلق لحكمة عظيمة، وهي القيام بما وجب عليهم من عبادته وحده بترك عبادة ما سواه، ففعل الأول وهو خلقهم ليفعلوا هم الثاني وهي العبادة.
قال شيخ الإسلام: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. وقال أيضا: والعبادة اسم يجمع كمال الحب لله ونهايته، وكمال الذل لله ونهايته، PageV01P003
وقوله: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه
()
فالحب الخلي عن ذل والذل الخلي عن حب لا يكون عبادة، وإنما العبادة ما يجمع كمال الأمرين. وقال أيضا: وأما ما خلقوا له من محبة الله تعالى ورضاه فهو إرادته الدينية، فذلك مذكور في قوله تعالى: {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} 1 2.
وقول الله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} 3 الآية. يخبر تعالى أنه بعث في كل قرن وطائفة من الأمم رسولا يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وينهاهم عن عبادة ما زينه الشيطان لهم وأوقعهم فيه من عبادة ما سواه، فمنهم من هدى الله ووحده تعالى بالعبادة وأطاع رسله، ومنهم من حقت عليه الضلالة فأشرك مع الله غيره بعبادته، ولم يقبل هدى الله الذي جاءت به الرسل، كما قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} 4. وهذا التوحيد الذي خلقوا له ودعوا إليه هو توحيد الإلهية، توحيد القصد والطلب.
وأما توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وتوحيد الأفعال، فهو توحيد العلم والاعتقاد، وأكثر الأمم قد أقروا به لله. وأما توحيد الإلهية فأكثرهم قد جحدوه، كما قال تعالى عن قوم هود لما قال لهم: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} 5 {أجئتنا لنعبد الله وحده} 6 وقال مشركو قريش: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} 7، وهذه الآية وهي قوله: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} 8، هذه الآية تبين معنى الآية قبلها وكذلك الآيات بعدها، وأن المراد بالعبادة التي خلقوا لها هي العبادة الخالصة التي لم يلبسها شرك بعبادة شيء سوى الله كائنا ما كان، فلا تصح الأعمال إلا بالبراءة من عبادة كل ما يعبد من دون الله، والله تعالى خلق الثقلين ليعبدوه، فمنهم من فعل، ومنهم من أشرك وكفر، كما قال تعالى في هذه الآية: {فمنهم PageV01P004
من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} 1.وقال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} 2 يبين أن حكمة الرب في خلقه للجن والإنس لا تقتضي أن كلا يفعل ما خلق له وأرسلت الرسل لأجله، ولهذه الحكمة أهلك الله من لم يعبده وحده، ولم يقبل ما جاءت به رسله، وشرع قتالهم لنبيه صلي الله عليه وسلم وأتباعه، فمنهم من أطاع وهم الأقلون، ومنهم من عصى وهم الأكثرون.