إذا عرفت أقوال العلماء في هذه المسألة، فاعلم أن الزائر إذا نوى بالزيارة التي فيها شد الرحل لسفر زيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم صار ذلك به سفر طاعة بإجماع العلماء -رحمهم الله-، ويحصل له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم تبعا إذا وصل المسجد، وفعل ما هو المشروع من البداءة بتحية المسجد، ثم سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم والزيارة والسلام على صاحبيه -رضي الله عنهما-، وذلك لا محذور فيه بوجه، بل هو مصلحة محضة. فأي محذور في تحصيل المصلحة المطلوبة على وجه صحيح بالإجماع؟ والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا. PageV01P052
الرسالة الخامسة: رسالة أهل نجد والجواب عليها
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، المعرضين عن الحق المبين، وصلى الله على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما.
أما بعد:
فإنه ألقي إلينا رسالة من الأحساء مشتملة على الكذب والبهتان، والإثم والعدوان، والله تعالى عند لسان كل قائل وقلبه، وهو المستعان.
وهذه الرسالة قد صدرها صاحبها بشبهة تنبي عن شك من صدرت منه، وارتيابه في هذا الدين، الذي بعث الله به المرسلين. والشبهة هي بذاتها وحروفها وكلماتها، هي التي أوردها أهل نجد على شيخنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لما دعاهم إلى أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، ويتركوا عبادة ما كانوا يعبدونه من الأوثان والطواغيت كتاج وشمسان، ويخلعوا عبادة الأوثان، مثل عبادتهم لزيد بن الخطاب، وغيره من أرباب القبور، والأشجار، والأحجار.
وممن أورد هذه الشبهة عليه عبد الله المويس واعي حرمه، وابن إسماعيل في الوشم، وسليمان بن عبد الوهاب في العارض، وزعموا أن الأمة لا يقع فيها شرك، فرد عليهم -رحمه الله- بالكتاب والسنة، وبين أن هذا الذي يفعلونه هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، بالأدلة والبراهين من كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وبين ضلال هؤلاء وأمثالهم، وظهرت حجته عليهم وعلى أمثالهم ممن اشمأز عن التوحيد؛ فانتشرت دعوته
في الآفاق، وأقر بصحتها الخلق الكثير، والجم الغفير، فأنقذ الله بدعوته من الشرك والضلال أكثر أهل نجد، وما والاها، وبعض الأقاليم البعيدة؛ فالحمد لله على ظهور الحق ودحوض الباطل. ثم إن صاحب هذه الرسالة أظهر الشبهة المشار إليها فقال رسالته، يعني رجلا كان يكرهه لدينه، ويظن به ما قد أظهره في رسالته، فقال: أيها الرجل الجاهل المعجب بنفسه، لقد غويت وجهلت باعتقادك في هذه الأمة المحمدية التي قال الله فيها: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} 1، وقال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} 2 أي عدلا خيارا. وقال صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن هذه توفي سبعين أمة هي خيرها وأكرمها عند الله عز وجل".
قلت: فترك من الآيتين ما هو دليل عليه، وحرف الحديث وغيره.
ثم قال: إنك جعلتهم ما بين مشرك، ومبتدع، وفاسق، وجاهل، وظالم، ولا هنا مسلم حقيقي إلا أنت وكم نفر من الذي تشتهي، ولا سبقك أحد بهذا الاعتقاد.
فأقول قبل الجواب: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ما أعظم هذه الفرية وأبينها ضلالة! أليس الله تعالى قد بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الأحمر والأسود، والجن والإنس، فآمن به من آمن، وكفر به من كفر، ونافق من نافق، وأنزل الله عليه الكتاب والحكمة، وفي كل سورة من السور المكية محاجة المشركين، والرد عليهم، وبيان ضلالهم.