مقدمة
...
بسم الله الرحمن الر حيم
الحمد لله، معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره، ومستدرج العاصين بمكره، الذي أظهر دينه على الدين كله، القاهر فوق عباده فلا يمانع، الظاهر على خلقه فلا ينازع، الحكيم فيما يريد فلا يدافع.
أحمده على إعزازه لأوليائه، ونصرته لأنصاره، وخفضه لأعدائه، حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهر جهاره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد؛ شهادة من طهر بالتوحيد قلبه، وأرضى بالمعاداة فيه والموالاة ربه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، رافع الشك، وخافض الشرك، وقامع الكذب والإفك، اللهم صل على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
(وبعد) : فاعلم أيها الطالب للسلامة، الساعي في أسباب تحصيل الفوز والكرامة، أني وقفت على رسالة لمن لم يسم نفسه، مشعرة بأنه من بلاد الخرج1 متضمنة لأنواع من الكذب والمرج، جامعة لأمور من الباطل، لا يسع مسلما السكوت عليها خشية أن يفتن بها بعض الجاهلين فيعتمد عليها، فإن كل عصر لا يخلو من قائل بلا علم، ومتكلم بغير إصابة ولا فهم.
وقد جعل الله في كل زمان فترة، بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويبصرون بدين الله أهل العمى، ويحيون بكتاب الله الموتى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وتائه ضال قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم، PageV01P288
وقد عن لي الجواب؛ لتمييز الخطأ من الصواب، فلا بد من ذكر مقدمة نافعة لتكون هي المقصودة بالذات، رجاء أن تكون سببا موصلا إلى رضوان الله، يستبصر بها طالب الهدى من عباد الله، وذلك بتوفيق الله الذي لا إله سواه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
اعلم أيها المنصف أن دين الله القويم، وصراطه المستقيم، إنما يتبين بمعرفة أمور ثلاثة، هي مدار دين الإسلام، وبها يتم العمل بأدلة الشريعة والأحكام، ومتى اختلت وتلاشت وقع الخلل في ذلك النظام:
(الأمر الأول) : أن تعلم أن أصل دين الإسلام وأساسه، وعماد الإيمان ورأسه، هو: توحيد الله -تعالى- الذي بعث به المرسلين، وأنزل به كتابه المحكم المبين، قال تعالى: {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير} 1، وهذا هو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن أصل دين الإسلام: أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، لا بالأهواء والبدع.
وقد قال شيخنا -رحمه الله تعالى- إمام الدعوة الإسلامية، والداعي إلى الملة الحنيفية: أصل دين الإسلام وقاعدته أمران: الأمر بعبادة الله وحده، والتحريض على ذلك والموالاة فيه، وتكفير من تركه. والنهي عن الشرك بالله في عبادته، والتغليظ فيه والمعاداة فيه، وتكفير من فعله. والمخالف في ذلك أنواع، ذكرها -رحمه الله تعالى-.
نواقض التوحيد
وهذا التوحيد له أركان وفروع، ومقتضيات وفرائض، ولوازم، لا يحصل الإسلام الحقيقي على الكمال والتمام إلا بالقيام بها علما وعملا.
وله نواقض ومبطلات تنافي ذلك التوحيد، فمن أعظمها أمور ثلاثة:
(الأول) : الشرك بالله في عبادته كدعوة غير الله، ورجائه والاستعانة به، والاستغاثة به، والتوكل عليه، ونحو ذلك من أنواع العبادة، فمن صرف منها شيئا لغير الله كفر، ولم يصح له عمل، وهذا الشرك هو أعظم PageV01P289