فصل
</span> (1)
وقال شيخ الإسلام (2) –رحمه الله تعالى-:
(ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا روى في ذلك لأهل الصحيح ولا السنن والأئمة المصنفين في المسند (3) ، وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره.
وأجل حديث وري في ذلك ما رواه الدارقطني –وهو ضعيف باتفاق أهل العلم-بل الأحاديث المروية في زيارة قبره كقوله: "من زارني وزار أبي الخليل في عام واحد ضمنت له على الله (4) الجنة" (5) ، /"ومن زارني بعد مماتي فكأنما PageV01P199
زارني في حياتي" (1) ، "ومن حج ولم يزرني فقد جفاني" (2) ، ونحو هذه الأحاديث كلها مكذوبة موضوعة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم رخص زيارة القبور مطلقا، بعد أن كان قد نهى عنها (3) لتذكر الآخرة؛ والدعاء للميت أو للأموات والاستغفار لهم، فهذا هو المشروع، وهو سبب الإذن في زيارة القبور، لا لدعائهم (4) والاستشفاع بهم.
فإن هذا لم يشرعه الله ولا رسوله [صلى الله عليه وسلم] (5) ، بل نهى عنه وحرمه؛ كما تقدم في الآيات المحكمات، فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم، فإن أهل (6) القبور لا ينفعون ولا يضرون، ولا يسمعون ولا يستجيبون بنص القرآن PageV01P200
العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
وقال جل ذكره: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} (1) .
وقال أيضا (2) شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى-: (فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم،
ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، فهو كافر بإجماع المسلمين، فإن الله جعل الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وسائط في تبليغ أمره ونهيه، ووعده ووعيده، فليس لأحد طريق إلى الله (3) إلا بمتابعة الرسول بفعل ما أمر وترك ما حذر، وأما إجابة الدعوات، وتفريج الكربات، فهذا لله وحده لا يشركه فيه أحد؛ ولهذا فرق سبحانه وتعالى في كتابه بين ما فيه حق للرسول وبين ما هو لله وحده (4) ، كما في قوله تعالى: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} (5) .
فبين سبحانه ما يستحقه الرسول من الطاعة، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله، وأما الخشية والتقوى فجعل ذلك لله وحده، وكذلك قوله تعالى (6) : PageV01P201
{ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} (1) ، فجعل الإيتاء لله وللرسول، وأما التوكل والرغبة فله (2) وحده، كما في قوله تعالى (3) : {وقالوا حسبنا الله} ولم يقل: ورسوله وقال: {نا إلى الله راغبون} ولم يقل: وإلى رسوله، وذلك موافق لقوله تعالى: {فإذا فرغت فانصب. وإلى ربك فارغب} (4) فالعبادة والخشية والتوكل والدعاء والرجاء/ والخوف لله وحده لا يشركه فيه أحد، وأما الطاعة والمحبة والإضاء فعلينا أن نطيع الله ورسوله، ونحب الله ورسوله، ونرضى الله ورسوله؛ لأن طاعته طاعة لله (5) ؛ ورضاه إرضاء لله (6) ، وحبه من حب الله.
والله سبحانه لم يجعل أحدا من الأنبياء والمؤمنين واسطة في شيء من الربوبية والإلهية. قال تعالى (7) : {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} (8) ، وقال تعالى (9) : {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} (10) ، وقال تعالى (11) : {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء PageV01P202