وكذلك قوله: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا} إلى قوله: {لو كانوا يعلمون} (7) والقرآن عامته إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم، الذي هو أصل الأصول. وهذا الذي ذكرناه كله في تحريم هذا الدعاء، ولا (8) تغتر بكثرة العادات PageV01P134
الفاسدة، فإن هذا من التشبه بأهل الكتاب الذي أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه كائن في هذه الأمة.
وأصل ذلك: إنما هو اعتقاد فضل الدعاء عندها، وإلا فلو لم يقم هذا الاعتقاد بالقلوب انمحى ذلك كله، فإذا كان قصدها للدعاء يجر هذه المفاسد (1 كان حراما، كالصلاة عندها وأولى، وكان ذلك فتنة للخلق، وفتحا/ لباب الشرك وإغلاقا لباب الإيمان1) (1) . PageV01P135
فصل
</span> (1)
وقال شيخ الإسلام أيضا: (ومن المحرمات العكوف عند قبر، والمجاورة عنده، وسدانته، وتعليق الستور عليه، كأنه بيت الله الكعبة، وقد بينا أن نفس بناء المسجد عليه منهي عنه باتفاق الأمة، محرم بدلالة السنة، فكيف إذا ضم إلى ذلك المجاورة في ذلك المسجد، والعكوف فيه، كأنه المسجد الحرام؟ بل عند بعضهم العكوف فيه أحب من العكوف في المسجد الحرام، إذ من الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حبا لله، بل حرمة ذلك المسجد المبني على القبر الذي حرمه الله ورسوله، أعظم عند المقابريين من بيوت الله التي (2) أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وقد أسست على تقوى من الله ورضوان.
وقد بلغ الشيطان بهذه البدع إلى الشرك العظيم من كثير من الناس، حتى إن منهم من يعتقد أن زيارة المشاهد التي على القبور، إما لنبي، أو شيخ، أو بعض أهل البيت: أفضل من حج البيت الحرام، ويسمى زيارتها الحج الأكبر، ومنهم من يرى أن السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من حج البيت؛ وبعضهم إذا وصل إلى المدينة رجع، وظن أنه حصل [له] (3) المقصود، وهذا لأنهم ظنوا أن زيارة القبور لأجل الدعاء عندها والتوسل بها، وسؤال الميت ودعائه، ولهذا كثير من هؤلاء يسأل الميت والغائب كما يسأل ربه، وكثير من PageV01P137
الناس تمثل له صورة الشيخ المستغاث به، ويكون ذلك شيطانا قد خاطبه، كما تفعل الشياطين بعبدة الأصنام. وأعظم من قصد الصلاة عنده، النذر (1) له، أو للسدنة، أو المجاورين (2) عنده من أقاربه، أو غيرهم، واعتقاد أنه بالنذر له قضيت الحاجة، وكشف البلاء.
واعلم أن أهل القبور المدفونين من الأنبياء والصالحين يكرهون ما يفعل عندهم كل الكراهة، كما أن المسيح عليه السلام يكره ما يفعل النصارى به، وكما كان أنبياء بني إسرائيل يكرهون ما يفعله (3) الأتباع) .
(11 قلت: (فمن ظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكره ما كرهه (4) المسيح- عليه السلام (5) -وتبرأ منه فقد سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم السب، وصار بهذا كافرا؛ لكونه نسب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرضاء بما نهاه الله تعالى (6) عنه في مواضع (7) من كتابه، والنبي (8) صلى الله عليه وسلم بلغ عن الله وحيه، واشتدت عداوته لمن ارتكب ما نهى الله عنه من هذا (9) الشرك العظيم، وقاتل من لم يتب منه، واستحل دمائهم، وأموالهم، ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى (10)) 11) : PageV01P138