مفدمة
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين كالمبتدعة والمشركين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه أجمعين. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فإن كتاب التوحيد الذي ألفه الإمام شيخ الإسلام "محمد بن عبد الوهاب"1 أجزل الله له الأجر والثواب، وغفر له ولمن أجاب دعوته إلي يوم يقوم الحساب قد جاء بديعا في معناه: من بيان التوحيد ببراهينه، وجمع جملا من أدلته لإيضاحه وتبيينه. فصار علما للموحدين، وحجة على الملحدين. فانتفع به الخلق الكثير، والجم الغفير. فإن هذا الإمام -رحمه الله- في مبدأ منشئه قد شرح الله صدره للحق المبين، الذي بعث الله به المرسلين: من إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله رب العالمين، وإنكار ما كان عليه الكثير من شرك المشركين، فأعلى الله همته، وقوى عزيمته، وتصدى لدعوة أهل نجد إلى التوحيد، الذي هو أساس الإسلام والإيمان، ونهاهم عن عبادة الأشجار والأحجار والقبور، والطواغيت والأوثان، وعن الإيمان بالسحرة والمنجمين والكهان، فأبطل الله بدعوته كل بدعة وضلالة يدعو إليها كل شيطان، وأقام الله به علم الجهاد، وأدحض به شبه المعارضين من أهل الشرك والعناد، ودان بالإسلام أكثر أهل تلك البلاد، الحاضر منهم والباد، وانتشرت دعوته ومؤلفاته في الآفاق، حتى أقر له بالفضل من كان من أهل الشقاق، إلا من استحوذ عليه الشيطان، وكره إليه الإيمان، فأصر على العناد والطغيان. وقد أصبح أهل جزيرة العرب بدعوته، كما قال قتادة -رحمه الله- عن حال أول هذه الأمة: "إن المسلمين لما قالوا: "لا إله إلا الله" أنكر ذلك المشركون وكبرت عليهم، وضاق بها إبليس وجنوده، فأبى الله إلا أن يمضيها ويظهرها، ويفلجها وينصرها على من ناوأها، إنها كلمة من خاصم بها فلج، ومن قاتل
بها نصر، إنما يعرفها أهل هذه الجزيرة التي يقطعها الراكب في ليال قلائل، ويسير من الدهر في فئام من الناس، لا يعرفونها ولا يقرون بها". PageV01P003
وقد شرح الله صدور كثير من العلماء لدعوته، وسروا واستبشروا بطلعته، وأثنوا عليه نثرا ونظما.
فمن ذلك ما قاله عالم صنعاء: محمد بن إسماعيل الأمير1 في هذا الشيخ -رحمه الله تعالى-:
وقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي
وينشر جهرا ما طوى كل جاهل ... ومبتدع منه فوافق ما عندي
ويعمر أركان الشريعة هادما ... مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد
أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وود بئس ذلك من ود
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالصمد الفرد
وكم عقروا في سوحها من عقيرة ... أهلت لغير الله جهرا على عمد
وكم طائف حول القبور مقبل ... ومستلم الأركان منهن بالأيدي
وقال شيخنا عالم الأحساء أبو بكر حسين بن غنام -رحمه الله تعالى- فيه: 2
لقد رفع المولى به رتبة الهدى ... بوقت به يعلى الضلال ويرفع
سقاه نمير الفهم مولاه فارتوى ... وعام بتيار المعارف يقطع
فأحيا به التوحيد بعد اندراسه ... وأوهى به من مطلع الشرك مهيع
سما ذروة المجد التي ما ارتقى لها ... سواه ولا حاذى فناها سميذع