المنفي في كلمة التوحيد الإلهية الكثيرة الموجودة في الخارج
وتأمل قوله: وحاصله نفي كل فرد من أفراد إله. فبين أن المنفي له أفراد كثيرة، وهذا ظاهر بين لا يمنعه أحد، كما هو ظاهر في الكتاب والسنة واللغة والفطرة خلافا للفلاسفة.
وكذلك قوله: راجع إلى نفي الإلهية عن كل موجود غير الله، وهذا هو الذي يعرفه الناس كلهم إلا ما كان من هذه الطائفة ومن أهل الوحدة، فإنهم ألحدوا في التوحيد، وأتوا بكل ما يستحيل عقلا وشرعا. فسبحان الله، والله أكبر، أيجوز في عقل أن المشركين من أولهم إلى آخرهم الذين عبدوا مع الله غيره أنهم إنما عبدوا فردا في الذهن لا وجود له في الخارج؟! هذا أمحل المحال، وأبطل الباطل.
وقد نبهت فيما تقدم على أنهم أرادوا بهذا أن الأصنام والأوثان والطواغيت لا تدخل في المنفي لأنها من جملة الوجود الذي يسمونها الله.
وأقول أيضا: الآلهة هي الأنداد والطواغيت والشركاء، وقد قال -تعالى-: {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} 1، فذكرها مجموعة لكثرة أفرادها في الخارج، وقال: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} 2، فذكرها بصيغة الجمع يدل على كثرة أفرادها، وقال -تعالى-: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} 3، وقال: {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها} 4.
وهذه الآيات تدل على أن المعبودات التي تعبد من دون الله كثيرة من الطواغيت وغيرها كقوله في آية البقرة: {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} 5، وكقوله: {وجعلوا لله شركاء الجن} 6، ولا ريب أن الجن لهم وجود في الخارج، وقوله: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} 7.
فدلت هذه الآيات على أن لهذه المعبودات أفرادا كثيرة، وكلها منتفية ب "لا إله إلا PageV01P359
الله"، كما قال -تعالى-: {أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون} 1، وهذا واضح بحمد الله، فبطل ما اختلقه الفيلسوف، وتبين به إلحاده في التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه {فاعتبروا يا أولي الأبصار} 2.