رسائل وفتاوى العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين
الرسالة الأولى: مذهب أهل السنة في كلام الله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وعليه نتوكل.
الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فقد جرت مناظرة بيننا وبينكم في كلام الله - تعالى-، هل هو مخلوق أم لا؟ فذكرت أن اختياركم الوقف، فلا تقولون مخلوق، ولا غير مخلوق، وزعمت أن الخلاف في ذلك لفظي.
فأما قولكم: إن الخلاف في ذلك لفظي، فليس الأمر كذلك، وإنما يقال: الخلاف لفظي بين المعتزلة والأشاعرة، لأن المعتزلة يقولون كلام الله مخلوق، والأشاعرة يقولون ليس بمخلوق، والكلام عندهم المعنى، ويقولون الحروف مخلوقة، فقالت المعتزلة لا خلاف بيننا، وبينكم، لأن الكلام هو الحروف؛ فإذا أقررتم بأن الحروف مخلوقة ارتفع النزاع، فيكون الخلاف بين الفريقين لفظيا.
وأما مذهب أهل السنة والجماعة، فهو مخالف للمذهبين خلافا معنويا لأنهم يقولون كلام الله غير مخلوق، والكلام عندهم اسم للحروف والمعاني، فتبين بذلك غلط من قال: إن الخلاف في ذلك لفظي. ومذهب أهل التوحيد والسنة أن الله يتكلم بحرف وصوت، وأن القرآن كلام الله حروفه
ومعانيه، وأن موسى سمع كلام الله منه بلا واسطة. والقرآن والسنة يدلان على ذلك دلالة صريحة، ولله الحمد والمنة، قال الله تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} 1 إلى قوله: {وكلم الله موسى تكليما} 2، ففرق بين الإيحاء المشترك وبين التكليم الخاص، وقال تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} 3 وقال تعالى: {يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} 4، وقال تعالى: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} 5، وقال تعالى: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} 6، وقال: {وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا} 7، وقال تعالى: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه} 8، وقال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} 9 والآيات في ذلك كثيرة.
وأما السنة فأكثر من أن تحصى، منها أمره صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة بكلمات الله في عدة أحاديث، وقوله صلى الله عليه وسلم: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان" 10. فمن قال إن الله لا يتكلم، فقد رد على الله ورسوله، وكفره ظاهر.
وقوع المجاز في القرآن
وقد ذكرتم أن العرب يضيفون الفعل إلى غير الفاعل، فهذا لا ينكر، أعني وجود المجاز في لغة العرب، وأما وقوع المجاز في القرآن، ففيه خلاف بين الفقهاء حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكر أن أكثر الأئمة لم يقولوا: إن في القرآن مجازا، ورد القول بوجود ذلك في القرآن، واستدل له بأدلة كثيرة. وعلى تقدير جواز وجوده في القرآن، فمن المعلوم أنه لا يجوز PageV01P097
صرف الكلام عن حقيقته حتى تجمع الأمة على أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك؛ ولو ساغ ادعاء المجاز لكل أحد ما ثبت شيء من العبادات، ولبطلت العقود كلها كالأنكحة والطلاق والأقارير وغيرها، وجل الله أن يخاطب الأمة إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين. وأيضا فالكلام إذا قام الدليل على أن المتكلم به عالم ناصح مرشد، قصده البيان والهدى والدلالة والإيضاح بكل طريق، وحسم مواد اللبس ومواقع الخطأ، وأن هذا هو المعروف المألوف من خطابه، وأنه اللائق بحكمته، لم يشك السامع في أن مراده هو ما دل عليه ظاهر كلامه.