"ومنقذي من عذاب الله والألم ... أو شافعا لي" ... إلخ"
فمعنى الإنقاذ غير معنى الشفاعة، قال الله تعالى عن صاحب يس: {إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون} [يس: 23]
ولم يقل أحد من المفسرين إن عطف الإنقاذ على الشفاعة من عطف التفسير بل فسروا الإنقاذ بالنصر والمظاهرة بالفعل وفسروا الشفاعة بالمعاونة بالجاه وهذا ظاهر.
ولكن لأجل تخبيط هذا الجاهل الأحمق أوجب بيان جهله وغلطه.
ومن كلام ابن القيم رحمه الله على هذه الآية قال بعد كلام سبق: "فإن العابد يريد من معبوده أن ينفعه وقت حاجته دائما. وإذا أرادني الرحمن الذي فطرني بضر لم يكن لهذه الآلهة من القدرة ما تنقذني بها1 من ذلك الضر ولا من الجاه والمكانة عنده ما تشفع لي إليه لأتخلص من ذلك الضر فأي وجه تستحق العبادة إني إذا لفي ضلال مبين إن عبدت من دون الله من هذا شأنه".انتهى.
ونقول أيضا: إنه إذا خوطب الرسول أو غيره من الأموات والغائبين بلفظ من ألفاظ الاستغاثة أو طلب منه حاجة نحو قول: أغثني أو أنقذني أو خذ بيدي أو اقض حاجتي أو أنت حسبي ونحو ذلك، يتخذه واسطة بينه وبين الله في ذلك. فهذا شرك العرب الذين بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم كما وضحه الله سبحانه في كتابه في مواضع مخبرا عنهم أنهم يقولون: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3] {هؤلاء شفعاؤنا عند الله} [يونس: 18] ولم يقولوا: إن آلهتهم تحدث شيئا أو تدبر أمرا من دون الله.
قال تعالى: {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون} [يونس:31]
، الشرك في الألوهية إذا اعترفتم بالربوبية. {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون لله} [المؤمنون:84-85] والآيات في هذا كثيرة، يحتج سبحانه عليهم بإقرارهم بتوحيد PageV01P015
الربوبية على بطلان شركهم في توحيد الألوهية كما قال سبحانه: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف:106]
فسر إيمانهم في الآية بإقرارهم بتوحيد الربوبية وهو أنهم إذا سئلوا من خلق السموات والأرض ومن ينزل المطر وينبت النبات ونحوه قالوا الله، ومع ذلك يعبدون غيره.
وفسر إيمانهم بإخلاصهم الدعاء لله في الشدائد، كما في قوله سبحانه: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين} [العنكبوت: 65] . ونحو ذلك من الآيات، ويشركون في الرخاء بدعاء غيره فهذه نصوص القرآن صريحة في أنهم يعترفون لله بتوحيد الربوبية اعترافا جازما وأنهم ما أرادوا من آلهتهم إلا الشفاعة عند الله، وأما من ظن أن مدعوه ومسئوله يحدث شيئا من دون الله ويدبر أمرا من دون الله فهذا شرك في توحيد الربوبية والألوهية معا، ولم يدع ذلك أحد من المشركين اللذين بعث الله إليهم محمدا صلى الله عليه وسلم، وإنما أرادوا من آلهتهم الشفاعة إلى الله الذي بيده النفع والضر لجاههم ومنزلتهم عنده كما أخبر الله عنهم بذلك.
وسئل شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله ورضي عنه عن رجلين تناظرا فقال أحدهما"لابد من واسطة بيننا وبين الله فإنا لا نقدر عليه إلا بذلك، فأجاب رحمه الله إلى أن قال: "وإن أراد بالواسطة أنه لابد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله تعالى في جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم"