واختيار الشيخ تقي الدين في الصفات: أنه لا يكفر الجاهل، وأما في الشرك ونحوه: فلا , كما ستقف على بعض كلامه إن شاء الله. وقد قدمنا بعض كلامه في الإتحادية وغيرهم، وتكفيره من شك في كفرهم.
قال صاحب اختياراته (5) : والمرتد: من أشرك بالله، أو كان (6) مبغضا لرسوله أو لما جاء به, أو ترك إنكار كل منكر بقلبه، أو توهم أن من الصحابة (7) من قاتل مع الكفار أو أجاز ذلك, أو أنكر مجمعا (8) عليه إجماعا قطعيا, أو جعله بينه وبين الله وسائط: يتوكل PageV01P047
عليهم ويدعوهم ويسألهم (1) ، ومن شك في صفة من صفات الله ومثله لا يجهلها: فمرتد. وإن كان مثله يجهلها: فليس بمرتد؛ ولهذا لم يكفر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الشاك في قدرة الله تعالى (2) .
فأطلق فيما تقدم من المفكرات، وفرق في الصفة بين الجاهل وغيره, مع أن رأي الشيخ رحمه الله تعالى- في التوقف عن تكفير الجهمية ونحوهم- خلاف نصوص الإمام أحمد وغيره من أئمة الإسلام (3) .
قال المجد (4) رحمه الله: كل بدعة كفرنا فيها الداعية, فإنا نفسق المقلد فيها, كمن يقول بخلق القرآن, أو أن علم الله مخلوق، أو أن أسماءه (5) مخلوقة, أو أنه لا يرى في الآخرة, أو يسب الصحابة تدينا, أو أن الإيمان مجرد الاعتقاد، وما أشبه ذلك.
فمن كان عالما في شيء (6) من هذه البدع: يدعو إليه ويناظر عليه، فهو محكوم بكفره. نص أحمد على ذلك في مواضع. انتهى.
فانظروا (7) ! كيف حكموا (8) بكفرهم مع جهلهم. PageV01P048
فصل (مما يتعين الاعتناء به)
...
فصل
ومما يتعين الاعتناء به: معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله؛ لأن الله سبحانه ذم من لا يعرف حدود ما أنزل الله/ على رسوله, فقال تعالى: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} (1) .
قال شيخ الإسلام: ومعرفة حدود الأسماء واجبة؛ لأن بها قيام مصلحة الآدميين في المنطق الذي جعله الله رحمة لهم, لاسيما حدود ما أنزل الله على رسوله من الأسماء: كالخمر، والربا. فهذه الحدود هي المميزة بين ما يدخل في المسمى وما يدل عليه من الصفات, وبين ما ليس كذلك.
وقد ذم الله سبحانه من لم يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله. انتهى (2) .
ففرض على المكلف: معرفة حد العبادة وحقيقتها التي خلقنا الله لأجلها (3) ، ومعرفة حد الشرك وحقيقته الذي هو أكبر الكبائر.
وتجد كثيرا ممن يشتغل بالعلم لا يعرف حقيقة الشرك الأكبر, وإن قال: إنه الشرك في العبادة؛ لقوله تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا} (4) {ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} (5) , وقوله صلى الله عليه وسلم: " حق الله PageV01P049
على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" (1) !!.
فإنه- (2) مع اعترافه بأن الشرك الذي حرمه الله: هو الشرك في العبادة- لا يعرف حد العبادة وحقيقتها، وربما قال: العبادة التي صرفها لغير الله شرك: الصلاة والسجود.
فإذا طلب منه الدليل على أن الله سمى الصلاة لغيره أو السجود لغيره شركا, لم يجده. وربما قال: لأن ذلك خضوع, والخضوع لغير الله شرك.
فيقال له: هل (3) تجد في القرآن (4) أو السنة تسمية هذا الخضوع شركا؟. فلا يجده.
فيلزمه أن يقول: لأنه عبادة لغير الله.
فيقال: وكذلك الدعاء, والذبح والنذر: عبادات، مع ما يلزم هذه العبادات من أعمال القلوب: من الذل والخضوع, والحب والتعظيم، والتوكل والخوف, والرجاء وغير ذلك.