- كما مر غير مرة -، وفي هذه الصور كلها، التي قلنا ببطلان صلاته فيها .. يأثم ولا تنعقد صلاته فرضا ولا نفلا؛ لأنه لم يدخلها بحجة يجوز اعتمادها، فيلزمه إعادتها إن بقي الوقت وقضاءها إن خرج، وفي الأخيرة لا يأثم ويلزمه إعادتها إن علم والوقت باق، فإن لم يعدها فيه .. أثم، ولزمه قضاؤها، ولا يأتي فيه ما يأتي عن البارزي ((1)؛ لأنه بعلمه في الوقت بتقدم صلاته عليه، خوطب بفعلها فيه ثانيا، فإذا (ترك) (2) عصى ولزمه قضاؤها، بخلاف تلك، فإنه خوطب بفعلها بعده وقد وقع منه، فإن علم بعد خروج الوقت، وتكرر ذلك منه .. فهي من إفراد صور مسألة البارزي التي ذكراها في «التحفة» و «النهاية». وعبارة «المنهاج» - عاطفا على الأصح - (وأنه يصح PageV01P299
الأداء بنية القضاء وعكسه). قال في «التحفة»: (إن عذر بنحو غيم، أو قصد المعنى اللغوي، إذ كل يطلق على الآخر لغة، وإلا لم يصح لتلاعبه، وأخذ البارزي من هذا: أن من مكث بمحل عشرين سنة يصلي الصبح لظنه دخول وقته، ثم بان له خطؤه .. لم يلزمه إلا قضاء واحدة؛ لأن صلاة كل يوم تقع عما قبله ((1)، إذ لا يشترط نية القضاء. ولا يعارضه النص على: أن من صلى الظهر باجتهاد، فبانت قبل الوقت .. لم تقع عن فائتة عليه؛ لأن محل هذا فيمن أدى بقصد أنها التي دخل وقتها والأول فيمن يقصد التي عليه، من غير أن يقصد التي دخل وقتها) ((2) انتهى. ونحوها عبارة «النهاية».
فتحصل مما قررناه في هذه المسألة: أن المصلي إذا اعتمد على أذان أو إخبار، فإن اجتمعت في المؤذن والمخبر الصفات الخمس، المستفادة من شروطه الأربعة التي قررناها، ثم بان تقدم تحرمه قبل الوقت بعد خروجه .. فحكم صلاته ما ذكر في «التحفة» عن البارزي، وإن نقصت في أحدهما صفة من تلك الصفات، فصلواته كلها باطلة يجب PageV01P300
قضاؤها، والفرق أنه عند وجود الصفات فيهما لما جاز له اعتمادهما .. انعقدت صلاته لعذره، فتقع قضاء، إذا لم يؤدها بقصد أداء التي دخل وقتها، بل أداها قاصدا ما فرضه الله عليه من غير تقييد بذلك، وحينئذ لا يلزمه إلا قضاء صلاة واحدة، فإن أداها قاصدا أداء التي دخل وقتها .. وقعت له نفلا ولزمه قضاء تلك الصلوات، إذ نية ذلك صارفة عن القضاء، وأما عند فقد إحدى الصفات فيهما فلا يجوز له اعتمادهما، فصلاته باطلة لعدم عذره.
فعلم أن المقدمين لصلاة الفجر من أهل جهتنا آثمون بصلاتهم، لا تنعقد منهم فرضا ولا نفلا؛ لتنبيه كثير من أهل العلم والعارفين بالفجر، الموافقين للكتاب والسنة والإجماع .. لهم على خطئهم وتقديمهم، ثم إصرارهم على ذلك بعد إنكار من ذكر فلا عذر لهم، وحكم صلاة المؤذن والمخبر حكم صلاة سامعيها سواء، فيلزمهما ما يلزم أولئك من القضاء - على ما مر تفصيله -؛ لعدم عذرهما بعد بلوغ إنكار من ذكر عليهم، ويزيد إثمهما بعدد من غروهم وأوقعوهم في إيقاع الصلاة قبل وقتها، ويتعدد بتعدد الأيام، ولا عذر لهم في دعواهم أنهم محقون، وأن هذا هو الفجر، مع تكذيب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وجميع
الأئمة في جميع مصنفاتهم لهم، ومخالفة سائر المسلمين لفعلهم هذا في سائر الأقاليم؛ ولما ذكر في «التحفة» - أن الشاك في صلاته لا يرجع لقول غيره وفعله - قال: (ما لم يبلغوا عدد التواتر، بحيث يحصل العلم الضروري أنه فعلها؛ لأن العمل بخلاف هذا العلم تلاعب، ومن نازع فيه، يحمل كلامه على أنه وجدت صورة تواتر لا غايته، وإلا لم يبق لنزاعه وجه) ((1) انتهى. وأي غاية فيما تواترت به نصوص كتاب الله، وأحاديث رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإجماع الصحابة والتابعين، وجميع العلماء وسائر المسلمين، وأجمع عليه الحساب كلهم. وقد مر في هذه «الرسالة» نبذة صالحة من ذلك، فهل يجوز لمسلم فضلا عن عالم أن يلتفت إلى ما يخالفهم مما ظهر له أو لغيره؟ .. كلا لا يكون ذلك إلا ممن أضله الله، واتبع هواه، كالمبتدعة الذين حكموا عقولهم وفهمهم، وأعرضوا عما جاء عمن ذكر، وأولوه على حسب ما يوافق فهمهم. نسأل الله الحفظ والسلامة، وكمال الهداية والاستقامة، وصلى الله على PageV01P302