المسألة الثالثة
في حكم صلاة الذين يقدمون صلاتهم على الفجر
مع زعمهم طلوعه وليس كذلك
اعلم: أن من صلى صلاة مؤقتة، مع علمه بأن وقتها لم يدخل .. أثم ولم تنعقد صلاته، فيلزمه فعلها ثانيا بعد علمه بدخول وقتها، وقضاءه لها إن خرج، ومن صلاها شاكا في دخول وقتها، فالحكم كذلك، ومن صلاها معتمدا على أذان في صحو أو غيم، - إذا قلنا يجوز اعتماده أو إخباره عن علم - فإن علم أن مؤذنه أو مخبره اجتمعت فيه شروط جواز الاعتماد التي مر تقريرها في (المسألة الثانية) وهي خمسة: كونه عدل رواية عارفا بعلامات الفجر، وتنزيلها عليه، لا على ما يشتبه به، ولم يطعن في معرفته بالعلامات وتنزيلها عليه مثله أو أوثق منه أو أكثر، وكان في وقت لا يكذبه الحس ولا العادة طلوعه فيه، ولم يبن له بعد الصلاة كذبه، ببقاء الظلام على حاله وعدم زيادته .. فصلاته صحيحة، فإن جهل عدالته أو علم فسقه، فإن لم يقع في قلبه صدقه فصلاته باطلة، وإن وقع في قلبه صدقه، واجتمعت
فيه معرفة علامات الفجر وما بعدها، وكان في معرفة الفجر باليقين على المصلي مشقة .. فصلاته صحيحة، وإن جهل معرفته بعلامات الفجر، أو علم جهله بها .. فصلاته باطلة وإن جمع بقية الصفات، وإن علم معرفة بعلامات الفجر وجهل معرفته بتنزيلها على الصادق .. فكذلك؛ لما مر أن شرط قبول المؤذن والمخبر عن علم، علم سامعه بمعرفته للوقت، ولا يكون عارفا بالوقت إلا من عرف علاماته ونزلها عليه، فإن علم معرفته بالعلامات وجهل معرفته بتنزيلها على الصادق .. لم يجز اعتماده، ولا تصح صلاة معتمده، إذ هو كعدل رواية أخبر بنجاسة طاهر وهو لا يعرف باب النجاسة، أو يعرف أسماء النجاسات ولا يعرف مسمياتها، أو يعرفهما ولا يعرف أن التنجس لا يكون إلا بملاقاة الطاهر للنجس مع رطوبة، فهذا هو العامي الذي لا يقبل خبره، إلا إن بين سبب النجاسة، فكذا عدل الرواية هنا، إذا علمنا معرفته لأسماء علامات الفجر، وجهلنا معرفته بتنزيلها على مسماها وهو الفجر الصادق لا يصح اعتمادنا عليه في الصلاة، إذ لا يلزم من معرفة العلامات والأسماء معرفة المسمى، وتنزيل العلامات على المعلم، خصوصا إذا كان المسمى يشتبه بغيره، كالفجر فإنه يشتبه
بالكاذب وشعاع القمر والكواكب، فيقع الغلط بتنزيل علاماته على ذلك كثيرا، فلا بد من علمنا بتنزيله علامات الفجر على مسماه غالبا، فذلك هو العارف بالفجر الذي يجوز اعتماده فتفطن لذلك، فإنه مما يغلط فيه، وإطباق أئمة المذهب على قولهم في المؤذن والمخبر، الذي يجوز اعتماده العارف بالمواقيت .. صريح في اشتراط معرفته بالمسمى وتنزيله علاماته عليه، وإذا علم عدالته ومعرفته بالعلامات وتنزيلها على الصادق، لكن بلغه طعن مثله أو أوثق منه أو أكثر في معرفته الفجر وتنزيله علاماته عليه، بأن قالوا: أنه يؤذن قبل الفجر .. فصلاته باطلة، وإذا كان سامع الآذان أو الإخبار عارفا بأجزاء الليل، بمراقبة، أو منكاب مجرب، أو ساعة مجربة، ولم يأت عليه الزمن الذي جرت عادة الله فيه بطلوع الفجر في ذلك القطر ..
فلا يجوز له اعتماد هما، وإن اجتمعت فيهما الصفات كلها إلا هذه، فإن صلى معتمدا على أحدهما فصلاته باطلة؛ لتكذيب الحس والعادة لهما، فإن لم يعرف أجزاء الليل، وتبين له إحالة العادة طلوع الفجر مع بقاء الوقت، بأن صلى ولم ير بعد الصلاة زيادة لضوء الفجر على ما قبلها .. فصلاته نافلة، إذ يستحيل عادة أن يمضي ما يسع الصلاة بعد طلوع الفجر ولا يزيد ضوء النهار