بسم الله الرحمن الرحيم
... قال شيخنا الإمام العلامة أبو يحيى مصطفى البرلسي المالكي الأزهري الشهير بالبولاقي حفظه الله تعالى ، ولطف به وبالمسلمين يوم التلاقي .
... الحمد لله الذي يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ، وأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ؛ ليظهره على الدين كله ولو كره المعاند والمنافق ، والصلاة والسلام على من بعث ليتمم مكارم الأخلاق ، المطهر شرعه عن كل رذيلة ، وخصلة ذميمة ، يستحلها الفساق ، وعلى آله وأصحابه والتابعين ، خصوصا من أراد الله به الخير ، ففقهه في الدين ، أما بعد .... PageV01P001
... فقد بلغنا عن ثغر الإسكندرية (¬1) المحروس ، وقاه الله من السوء والبؤس ، أنه قد ظهر به عالم يفتي بإباحة سماع الغناء بالآلات ذوات الأوتار ، وأنه نسب ذلك لمذاهب الأئمة ، وبعض الصحابة ، وعلماء الأمصار ، وأنه شنع على من أنكر ذلك ، وقال بالتحريم ، فقلنا : سبحان الله هذا بهتان عظيم ، وكذبنا الناقل واتهمناه ، وأعرضنا عن حديثه وطرحناه ؛ لكونه ذكر رجلا كنا نظن فيه العلم والعقل والدين ، وما كنا نتهمه بشيء من مجون الجهلة والمجانين ، إلى أن وصلت إلينا فتيا بخطه ، وهو عندنا معروف ، فتحققنا أن النقل كان على الصحة بمقتضى الخط والحروف ، وجعلت أقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وربك يصلح ما تكن صدورهم ، وما يعلنون ، وأخذت أتأملها سطرا سطرا ، وأقدم في شأنها رجلا وأؤخر أخرى ، ثم انقدح في نفسي أن الكتب في شأنها مطلوب ، وأنه إن لم يكن واجبا فهو مندوب ، لأن الأمر وإن كان أظهر من أن يخفى على العالم الكامل ، لكن لفساد الوقت ، وزخرفة القول ، قد يخفى على القاصر والجاهل ، لكني أقتصر من ذلك على مذهبي الذي أشتغل بحفظه ونقله ، وغير مذهبي يسأل عنه من أهله ، فأقول ، وبالله أستعين : PageV01P002
نص سؤال الفتيا : ما قولكم أدام الله / النفع بكم ، في رجل شهرعنه 3 أنه من العلماء المالكية ، دخل في مجلس أحد الوزراء في وليمة عرس ، متعلق بسعادة ذلك الوزير ، وكان في ذلك المجلس جماعة من العلماء حنفية ومالكية ، وكان سعادة ذلك الوزير يرقه أمر بإحضار الموسيقى، وضربهم وغنائهم عليها ، فضربوا وغنوا بغناء خال من الفحش ، من كلام العارف بالله سيدي علي وفاء رضي الله عنه ، فأنكر الرجل الداخل على من كان بذلك المجلس ؛ حتى شافههم بالسب، وأبطل الغناء ، وأقام أصحاب الموسيقى من ذلك المجلس ، فهل إنكاره ذلك ليس في محله بالنسبة للمذاهب الثلاثة : أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي رضي الله عنهم ؛ لكون الغناء المذكور خال من الفحش ، مع أن المسألة خلافية في المذاهب المذكورة ؟
أفيدونا الجواب بالتوضيح ، والنص الصريح من نقول المذاهب الثلاثة المذكورة ، حتى نعلم حكم الله في ذلك ، ولكم الثواب من الملك الوهاب . PageV01P003
ونص المقصود من الجواب : وأما على مذهب المالكية فلأن سماع الأوتار قد ذهب إلى إباحته جمع من علمائهم ، حكى الإمام ابن عرفة (¬1) في مختصره المشهور عن ابن حبيب (¬2) PageV01P004 إباحة سماع المزهر ، وهو العود كما في القاموس ، وابن حبيب أحد الأئمة المجتهدين في مذهب مالك بل نقل حضور مجلس العيدان عن الإمام مالك رضي الله عنه ، نقل الإمام ابن عرفة في مختصره المذكور عن تاريخ الخطيب أبي بكر بن ثابت ، فذكر أن إبراهيم بن سعد المدني قدم العراق فأكرمه الرشيد ، فسئل عن الغناء ، فأفتى بإباحته ، فأتاه بعض المحدثين ليسمع منه أحاديث الزهري ، فسمعه يغني ، فقال : كنت حريصا على السماع منك ، فأما الآن فلا سمعت منك حرفا أبدا ، فقال : إذا لا فقدت إلا شخصك علي ، وعلى أن حدثت ببغداد ما أقمت حديثا حتى أغني قبله ، فبلغ ذلك الرشيد ، فدعي به ، فسأله عن حديث المخزومية التي قطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم / في سرقة الحلي ، فدعا بعود ، فقال الرشيد : أعود المجمر4 ، فقال : لا ، ولكن عود الطرب ، فتبسم ، ففهمها إبراهيم بن سعد ، فقال له بلفظ يا أمير المؤمنين حديث الذي ألجأني إلى أن حلفت ، قال : نعم ، فدعا له الرشيد فغناه :