وأما التاجر إليهم فهو قريب من الجاسوس أو عينه، لأن الغالب عليه أن النصارى يسألونه عن أحوال المسلمين، ولا يجد بدا من جوابهم، ولأنه يعينهم بما نقل إليهم من أنواع المتاجر ولاسيما السلاح، ومن أعانهم فقد أشرك في دماء المسلمين- كما يأتي-.
وقد أفتى سيدي "محمد بن سودة"، والشيخ "ميارة " والإمام "الأبار" حسبما في "نوازل الزياتي": (يقتل من باع مملوكا للعدو، حيث كان لا ينفك 1 عن فساده إلا بالقتل، لأنه من أهل العبث 2 وإدخال الضرر على المسلمين) اه.
فحكم هذا التاجر كذلك إن كان لا ينفك (إلا به) 3، وإلا فالعقوبة [5/أ] عليه في ماله أو بدنه- على ما يأتي في فصل العقوبة بالمال-4.
وأما الكاتمون للجواسيس والغصاب والمفرطون 5 في حراستهم من إخوانهم بعد التقدم إليهم، فعقوبتهم واجبة ولا يستحقون قتلا، وإنما وجبت عقوبتهم لأن حرس الجواسيس ونحوهم من المتلبسين بالتجارة إليهم، جهاد يتعين بتعيين الإمام.
[قال] "خليل": (وتعين بتعيين الإمام، وإن على إمرأة) 6 باختصار. PageV01P116
وهؤلاء الكاتمون والمفرطون، قد عينهم الإمام للحراسة للجواسيس ونحوهم، فخالفوا وكتموا 1 وفرطوا، فحيث افتضح أمرهم بنقض بعض ما كلفوا بحراسته تحققت تهمتهم وظلمهم ولزمهم العقاب، لأنهم بالمخالفة والكتمان عصوا الله ورسوله، ووجب عقابهم- كما يأتي دليله في الفصل بعده- ووجب أيضا مؤاخذة بعضهم ببعض- كما يأتي في الفصل الثالث- والله أعلم. PageV01P117
<span class="matn">
الفصل الثاني
في دليل عقوبة كاتم الجواسيس والغصاب
وغيرهم ممن يستحق العقاب
</span><span class="matn-hr"> </span>اعلم أنه لا يخفى أن كل من تلبس بمعصية توعد الله عليها بالعقاب الأخروي، فإن الإمام يجب عليه أن يعاقب فاعلها، كان فيها مع ذلك حق لآدمي، ككتمان الجواسيس والغصاب وحمايتهم والتعصب عليهم، لما في ذلك من الفساد وإدخال الضرر على المسلمين في دينهم ودنياهم، أو تمحض فيها حق الله فقط، كالأكل في نهار رمضان، وترك الصلاة وإقامة الأذان، وترك النهي عن المناكر مع القدرة، أو عدم هجرتهم مع عدم القدرة، لأن "من رضي فعل قوم فهو منهم" 1، إذ سبب هلاك الأمم السابقة وخزيهم ولعنهم، أنهم كانوا [5/ب] لا يتناهون عن المناكرة قال تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ... إلى قوله: كانوا لا يتناةون عن منكر فعلوه} 2. PageV01P118
قال الإمام "القرطبي" 1، و"ابن عطة" 2 - "في تفسيرهما"- ما نصه: (قال " قتادة" 3، و "مجاهد" 4: لعنهم: مسخهم 5 قردة) 6.
قالا: (وقد ذم الله هؤلاء القوم لتركهم النهي عن المنكر، وكذا يذم من بعدهم ممق فعل فعلهم. PageV01P119
خرج أبو داود 1، عن عبد الله بن مسعود 2، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل»، كان الرجل يلقى الرجل فيقول: (يا هذا) 3؟ اتق الله!، ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه [من الغد] 4 فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، وقال: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ... إلى قوله: فاسقون} 5 ثم قال: "كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، (ولتقصرنه 6 على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم" 7 ومعنى لتأطرنه أي: (لتردنه) 8 اه. لفظه. PageV01P120