وبهذا نعلم: أن محل كون الجهاد فرض كفاية: إذا لم يكن العدو أخذ شيئا من بلاد المسلمين، وإلا كان فرض عين- على ما مر تفصيله قريبا- إذ هو: نازل بهم دائما ما دام آخذا لثغورهم وبلادهم، فيجب على أئمة وقته، وعلى من يليهم إن عجزوا، على من بعدهم إن ماتوا أو عصوا وتركوا أن يخرجوهم مما استولوا عليه، ولا يحل لهم تركهم، إلا بقدر ما [48/أ] يتجهزون، ويعاودون ذلك المرة بعد المرة، حتى يفتحها الله عليهم.
<span class="matn">
الفصل الثالث
فيما يرتزق منه الجيش إن عجز بيت المال،
ووجوب المعاونة بالأبدان إن افتقر إليها في الحال
</span><span class="matn-hr"> </span>اعلم: أنه إذا ضعف بيت المال عن أرزاق الجيش، فقد قال- حجة الإسلام - أبو حامد الغزالي، في كتابه "المستصفى" 1، ما نصه: (فإن قيل: توظيف الخراج 2 من المصالح، فهل إليه سبيل، أم لا؟، قلنا: لا سبيل إليه مع كثرة PageV01P286
الأموال في أيدي الأخيار، أما إذا خلت الأيدي، ولم يكن في (بيت المال) 1 ما يفي بخراجات العسكر- ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب، لخيف دخول الكفار بلاد الإسلام، أو خيف ثوران الفتنة من أهل الغرامة في بلاد الإسلام-: فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند.
ثم إن رأى في طريق التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج، لأنا نعلم: أنه إذا تعارض شران [أو] 2 ضرران، قصد دفع أشد الضررين، وأعظم الشرين، وما يؤديه كل واحد منهم قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله، لو خلت خطة الإسلام عن ذي شوكة 3، يحفظ نظام الأمور، ويقطع مادة الشرور (ولفسدت الأرض ومن عليها 4 اه 5 باختصار.
وقوله: (على الأغنياء ... إلخ يريد (على) من له قدرة وطاقة على دفع شيء لا (يجحف) 6 به، كما يأتي.
وفي "المعيار"، عن الإمام "ابن منظور" 7: (الأصل: أن لا يطالب المسلمون بمغارم غير واجبة بالشرع، وإنما يطالبون بالزكاة، وما أوجبه القرآن والسنة، PageV01P287
كالفيء 1، والركاز 2، وارث من ورثه بيت (المال)، لكن إذا عجز بيت المال عن أرزاق الجند، وما يحتاج إليه من آلة حرب [48/ب] وعدة: فيوزع على الناس ما يحتاج إليه من ذلك، ويستنبط هذا الحكم، من قوله تعالى: (قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فةل نجعل لك خرجا؟
()
} 3. لكن لا يجوز ذلك إلا بشروط:
أحدها: أن يعجز بيت المال، وتتعين الحاجة.
وثانيها: أن يصرفه الإمام بالعدل، فلا يجوز: أن يستأثر به دون المسلمين، ولا ينفقه في سرف، ولايعطي من لا يستحق، ولا أكثر مما يستحق.
وثالثها: أن يكون المغرم على من كان قادرا من غير ضرر ولا إجحاف، ومن 4 لا شيء له أوله شيء قليل لا يغرم شيئا.
ورابعها: أن يتفقدها في كل وقت، فربما جاء وقت لا يفتقر فيه لزيادة على ما في بيت المال) 5. PageV01P288
قال 1: (وكذلك إذا تعينت الضرورة للمعونة 2 بالأبدان، ولم يكف المال، فإن الناس يجبرون على التعاون بأبدانهم، على الأمر الداعي للمعونة، بشرط القدرة، وتعين المصلحة، والافتقار إلى ذلك) 3.
قال: (فإذا عزم أمير المؤمنين على رفع (الظلمات) 4 وسلك بالمأخوذ على الشروط التي ذكرناها، حتى يعلم الناس أنهم لا يطالبون إلا بما جرت به العوائد 5، وسلك بهم مسلك العدل في الحكم، فله أن يوزع من المال على النسبة المفسرة ما يراه صوابا، ولا إجحاف فيه حسبما ذكرناه 6 اه باختصار.